فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 189

وتفتضح به، وبدنك في معزل من ألمه. فكذلك يرى المغتاب نفسه في الآخرة، ولأنّ روح الغيبة تمزيق أعراض الإخوان والتفكه بها.

وفي عالم الآخرة ينكشف أرواح الأشياء وحقائقها. وكذلك لو كنت ترمي حجارة إلى حائط، فقال لك قائل: أَما تستحي أن تفعل ذلك، والحجارة ترتد من الحائط وتقع في دارك، وتصيب حدقة أولادك، فقد غيبت أحداقهم كلهم! قلت: معاذ الله أن أفعل ذلك. فقال: ادخل دارك. فدخلت فإذا هو كذلك. فانظر كيف تفتضح ويحترق قلبك تحسّرا على عملك الذي ظننته هيّنا وهو عند الله عظيم. وهذا روح حسدك لأخيك، فإنك تحسده ولا تضره وينعكس عليك ويهلك دينك، وينقل حسناتك إلى ديوانه - وهي قرّة عينك - لأنها سبب سعادة الأبد، فهي أعز من حدقة الولد. فإذا انكشف لك هذه الروح، فانظر كيف تحترق بنيران الفضيحة وبدنك بمعزل عنه.

فالقرآن كثيرا ما يعبّر عن الأرواح، ولذلك قال تعالى في الغيبة: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات:12] . وقال الله تعالى في الحسد: {يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ} [يونس:23] . فيكفيك من الأمثلة مثال الأذان والغيبة والحسد. فقس عليه كل فعل نهاك الشرع عنه، فذلك لقبح روح الفعل وحقيقته، وحسن ظاهره، أي ظاهره حسن للبصر الظاهر، وباطنه قبيح للبصيرة الناظرة في مشكاة نور الله تعالى.

وعن هذا عبر الشرع حيث قال: تعرض الدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شوهاء زرقاء، صفتها كيت وكيت، لا يراها أحد إلا ويقول أعوذ بالله منها، فيقال هذه دنياكم التي كنتم تتهالكون عليها، فيصادفون في نفوسهم من الخزي والفضيحة ما يؤثرون النار عليه. وإن أردت أن تفهم كيفية هذه الخجلة، فاسمع حكاية رجل من أبناء الملوك، زوج بأجمل امرأة من بنات الملوك، فشرب تلك الليلة فسكر، وأخطأ باب الحجرة فخرج من الدار وضلّ فرأى ضوء سراج فقصده على ظنّ أنها حجرته، فدخل الموضع فرأى جماعة نياما، فصاح بهم فلم يجيبوه، فظنّ أنهم نيام، فطلب العروس فرأى واحدا نائما في ثياب جديدة فظن أنها العروس، فضاجعها وأخذ يقبلها ويغشاها، ويجعل لسانه في فيها ويمتص ريقها متلذذا بذلك في سكره غاية التلذذ، ويتمسح بالرطوبات التي تصيبه من جميع بدنها، على ظن أن ذلك عطر ادّخرته له. فلما أصبح أفاق فإذا هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت