فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فكيف ترى اشتعال نيران الحسرة في قلبك، وبدنك بمعزل منه؟ وكم تقول: {يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ} [الزمر:56] ويا ليتنا نردّ ونعمل غير الذي كنا نعمل؟، فتقول لهم: أفيضوا علينا من الماء ممّا أفيض عليكم، فيقولون لك: هذا حرام عليك، أَلم تكن تسخر منّا وتضحك علينا، فلا بد وأن نسخر اليوم منك كما سخرت منّا. فلا يزال ينقطع نياط (1) قلبك من التحسر ولا ينفعك التحسر، ولكن تتسلى وتقول: الموت يخلصني من هذا.
فاعلم أن حال تارك الطاعات في الآخرة كذلك ينكشف له، ولكن لا مطمع في الموت المخلّص، بل هي حسرة أبدية دائمة، والألم يتضاعف كل يوم، وإن كان البدن بمعزل عنه، وعنه العبارة بقوله تعالى: {أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ، قالُوا: إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ} [الأعراف:50] .
وكذلك يفيض على أهل المعرفة والطاعة من أنوار جمال الوجه ما تحصل به من اللّذّة مبلغ لا يوازيه نعيم الدنيا، بل يعطى آخر من يخرج من النار مثل الدنيا عشر مرات كما ورد به الخبر، لا بمعنى تضاعف المقدار بالمساحة، بل بتضاعف الأرواح، كما أن الجوهر يكون عشرة أمثال الفرس لا بالوزن والمقدار، بل بروح المالية، إذ قيمته عشرة أمثاله.
واعلم أن تحريم تلك اللذات وإفاضتها عليهم ليس من جنس تحريم الرجل نعمه على عبده بغضب أو باختيار، حتى يتصور تغييره، بل هو كتحريم الله تعالى على الأبيض أن يكون أسود في حالة البياض، وعلى الحار أن يكون باردا في حالة الحرارة؛ وذلك لا يتصور فيه التبديل، بل مثال ذلك أن يقول للعالم الكامل رجل شيخ هرم من الجهال الذي كان بليدا في أصل الفطرة ولم يمارس قطّ علما ولم يتعلم لغة: أفض على قلبي من دقائق علومك، فيقول: إن الله حرّمه على الجاهلين: معناه أن الاستعداد لقبوله إنما يكتسب بذكاء فطريّ، وممارسة طويلة للعلم، بعد تعلم اللغة العربية وأمور أخر كثيرة. وإذا بطل الاستعداد وفات استحالة الإفاضة، كما يستحيل إفاضة الحرارة على البرودة مع بقاء البرودة، فلا تظنن أن الله تعالى يغضب عليك فيعاقبك انتقاما، ثم تخدع نفسك
(1) نياط: شريان أو هو العرق الغليظ المتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه من فوره.