فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 189

برجاء العفو فتقول: لم يعذبني ولم يضره معصيتي بل يلزم العذاب من المعصية كما يلزم الموت من السمّ.

واعلم أن هذه الحسرة دائمة لأن منشأها تضاد صفتين لا يزول تضادهما أبدا؛ مثاله أن الذي يعلّق بحبل في عنقه أو رجله إنما يتألم لتضاد الصفتين، لا لصورة الحبل والتعلق؛ لكن صفته الطبعية تطلب الهويّ إلى أسفل، والمنع القهري بالحبل يمانع الطبعية فيتولد الألم فيه من تمانعهما، فكذلك الروح الإنساني من الروح الروحاني الإلهي بأصل فطرته، فله بحكم الطبع حنين وشوق إلى عالم العلوّ، عالم الأرواح، وإلى مرافقة الملأ الأعلى؛ ولكن أغلال الشهوات وسلاسلها يجذبها إلى أسفل السافلين، وهي شهوات الدنيا، وهي صفة عارضة قهرت الصفة الطبعية، ومنعتها عن نيل مقتضاها، والألم يتولد من بينهما؛ والنار أيضا إنما تؤلم للمضادة، فإن الملائم للتركيب بقاء الاتصال. والنار تضاد الاتصال بالتفريق بين الأجزاء. ولو لم يكن قد رأيت النار، وسمعت بأن شيئا لطيفا ليّنا يماسّ بدنك فيؤلمك، لاستنكرته وقلت: شيء لا صلابة فيه كيف يؤلم باللمس؟

واعلم أن التضاد مؤلم، سواء كان بسبب خارج أو داخل؛ فإن سمّ العقرب في العضو يؤلم لفرط برودته المضادة لحرارة البدن. فلا تظنن أن الآلام كلّها تدخل من خارج. فإن قلت: إن العقرب إنما لدغت من خارج فاعلم أن ألم السّن وألم العين لا يقصر عنه، وإنما سببه انصباب خلط داخل مضادّ لمزاج العين والسن. وليس ذلك بأهون من لدغ العقرب والحية.

واعلم أن تضادّ الصفات في القلب، يؤلم القلب إيلاما لا ينقص عما يؤلم السن والعين، ومثاله في أضعف الصفات، أن البخيل المرائي إذا طلب منه عطية على ملأ من الناس عند من يريد أن يعرفوه بالسخاء؛ يتألم قلبه لتضادّ صفتين، إذ البخل يتقاضاه أن لا يعطي، وحب الجاه يتقاضاه أن يعطي، وقلبه بين هاتين الصفتين كشخص ينشر بمنشار بنصفين. فهذا مثال حسرة الفوت وعظمها بقدر ما ينكشف من جلالة قدر الفائت، ولا تعلمه بالحقيقة في هذا العالم بل في عالم الكشف، وهو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون.

واعلم أن هذه الأصناف الثلاثة، لها ترتيب:

فالصنف الأول الذي يلقاه الميت المعذب، هو حرقة فرقة المشتهيات، وذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت