والإرادة إن أريد بها الشهوة فالأمر معقول فيما لا يشتهى، وأيضا فهي محالة على الحق تعالى؛ إذ لا غرض له كما بيناه. وإن كان المراد بها القصد فهو إنما يتعلق بفعل المريد؛ إذ القصد إلى تخصيص فعل الغير محال؛ إذ لا يصح قوعه منه فكيف يتخصص به؟! وزال صفة التخصيص عن الإرادة محال، وفعل الغير يتخصص بإرادته فلا يصح تخصيصه ثانيا، والمعنى الموجود حالة الأمر متعلق بفعل الغير لا محالة، ونحن نجد من أنفسنا فرقا ضروريا بين قصدنا إلى أفعالنا وبين أمرنا بما لا نقدر عليه، كالزمن الآمر عبده بالقيام فإنه لا يحس من نفسه قصدا إلى ما هو عاجز عنه، وهو آمر به.
فهذا لبات هذا الفصل، وإذا تبين حقيقة الكلام النفسي فلا مبالاة بتسميته كلاما حقيقة واللفظ مجازا لدلالته عليه أو بالعكس أو جعله مشتركا بينهما، فإن هذا نزاع في حكم اللفظ ولسانا له.
وقد استدل الأصحاب على إثباته بطريقة وهي أن كل قابل للشيء فعلا يخلو عنه أو عن ضده، والباري تعالى حي فهو قابل له، فلا يخلو عنه أو عن ضده، وضده محال عليه؛ إذ هو آفة ونفص لا يمكن الحكم بوجوبها، فيستحيل عليه فيتعين إثبات الكلام له.
وقد التزم بعض الضعفاء نفي النقائص عنه بالسمع، وهو هاهنا من الفضائح؛ إذ يلزم منه إثبات الكلام بالكلام، وهو محال لتوقف الشيء على نسفه، إذ لا يثبت إلا بعد ثبوته.