سأل الملوح أبو المجنون رجلا قدم من الطائف أن يمر بالمجنون فيجلس إليه، فيخبره أنه لقي ليلى وجلس إليها. ووصف له صفات منها ومن كلامها يعرفها المجنون! وقال له: حدثه بها. فإذا رأيته قد اشرأب لحديثك واشتهاه، فعرفه أنك ذكرته لها ووصفت ما به، فشتمته وسبته، وقالت: إنه يكذب عليها ويشهرها بفعله، وإنها ما اجتمعت معه قط كما يصف ففعل الرجل ذلك، وجاء إليه فأخبره بلقائه إياها، فأقبل عليه وجعل يسائله عنها. فيخبره بما أمره به الملوح، فيزداد نشاطا ويثوب إليه عقله، إلى أن أخبره بسبها إياها وشتمها له، فقال وهو غير مكترث لما حكاه عنها:
(تمرّ الصَّبَا صَفْحًا بساكن ذي الغَضَى ** ويَصَدَعُ قلبي أن يَهُبَّ هُبُوبُها)
(إذا هبَّتِ الريحُ الشَّمَالُ فإِنّما ** جوايَ بما تُهدِى إليّ جَنُوبُها)
(قريبةُ عهدٍ بالحبيب وإنما ** هَوَى كلِّ نفسٍ حيثُ كان حبيبُها)
(وحسبُ الليالي أن طَرَحْنَكَ مَطْرَحًا ** بدار قِلىً تُمِسي وأنتَ غَرِيبُها)
(حلال لليلى شتمنا وانتقصنا ** هنيئا ومغفورٌ لليلى ذنوبها)
هذا وأنكر في تزيين الأسواق أن الذي سلط الرجل هو الملوح أبو المجنون وقال: إن الذي أمر الرجل بذلك هو زياد بن كعب أحد بني عم المجنون، لأن أباه الملوح مات قبل اختلاط عقل المجنون، كما سبق في رثائه لأبيه.