المنتسبين للعلم، فيلهجون بكلمة النواميس والسنن الكونية، وربما تلوا عليك قوله تعالى {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62] ولو شاؤا لعلموا أن السنة الآلهية التي قضى سبحانه أنها لا تتبدل، إنما هي نصره لأنبيائه وأوليائه في الدنيا والآخرة على أعدائه المعاندين لهم، ولو قرأت ما قبل هذه الجملة الشريفة لصارحك بهذا المعنى وهي في عدة مواضع من كتاب الله، وكلها مسوقة لوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه بالنصر المبين والعز المكين، ووعيد المعاندين بالخذلان المهين، والهزيمة المخزية على وفرة عددهم وكثرة عددهم، وصدق الله وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، فله الحمد كما ينبغي له. وأنت إذا أحكمت التدبر في هذا المقام أبصرت بوضوح أن السنة التي حكمت الآيات بأنها لا تبديل لها، إنما هي خرق النواميس المعتادة بين العامة، لأجل أولئك الخاصة، بالمعجزات الظاهرة والكرامات الباهرة. هذا النبي المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام أرسله مولاه وحيدا فريدا وأهل الأرض يومئذ العرب والعجم في المشارق والمغارب كلهم خصوم له، ولما جاء به، حريصون على إطفاء النور الذي جاء به بكل ما أوتوا من قوة، فهل من النواميس العادية والسنن المألوفة والقواعد المتعارفة بين العامة أن ينصر هذا الوحيد الفريد على ذوى الدول الكبرى والصغرى، هذا النصر الذي تحير فيه أساطين المتفلسفين، وجعلوا يختلقون في تعليله الأكاذيب، كلا ثم كلا، ما هي إلا السنة الألهية التي لن تجد لها تبديلا ــ اقرأ إن شئت أن تفهم {فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 42، 43] فهذه ونظائرها من الآيات الكريمة تنادي أساري النواميس العادية أن لله سنة غير ما ألفوا ممتازة بأنها لا ينالها التبديل كما ينال السنن التي عرفوا، وهي نصر المؤمنين الذين صدقوا وإن قلوا، وخذلان أعدائهم وإن كانوا أكثر من الرمل والحصى، ولقد كان أعداؤه