من حفظ للفظ كان أهلا لبيان كنه المعنى وما يتلبط منه، وإذا كان ذلك كما وصفنا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ظنك بكلام رب العالمين؟ وواضح كل الوضوح أن كلكل فن مؤهلات، فمن خاض فيه بدونها كان خطؤه أكثر من صوابه وضرره أقرب من نفعه.
وكان الناس في الصدر الأول على الحدود التي حدها لهم أعرف الناس بالهدى وطرقه، وأرحمهم بهم صلى الله عليه وسلم، فعم الخير كل أمور هم علميها وعمليها، ولما بدأ الناس يبعدون عن عهد النبوة شرعت شرا ذم منهم تتخطى الحدود، فتكلم غير الفقيه فيما روى بما رأى، وقال في الأمور العامة من لا يحسن أموره الخاصة، وتحقق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن الساعة (( لا تقوم حتى يتكلم الرويبضة ) )وهو تصغير رابض والتاء للمبالغة لا للتأنيث، وهو الرجل الحقير: ربض عن معالي الأمور أي قعد عنها. وقد روى في الحديث تفسيره قيل: يا رسول الله ما الرويبضة؟ قال: (( الرجل التافه ينطق في أمور العامة ) )وما زال أولئك الشذاذ يتعصبون لأهوائهم، ويتبعهم أمثالهم، وكثير من الناس ــ كما قال الإمام علي رضي الله عنه ــ همج رعاع أتباع كل ناعق. وطال العهد حتى صار لكل خلف ــ بسكون اللام ــ من تلك الطوائف سلف طالح، كما للخلف السلف الصالح، وقد ثبت في الحديث مرفوعا (( بحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ) )رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة من الصحابة، وأخرجه ابن عدى من طرق، وجزم الحافظ العلائي بأنه حديث حسن، ورواه النووي في أول تهذيبه، وشرح ما يستنبط منه.
ومما يؤسف له جد الأسف أن بعض الحفاظ للسنة وقع في هذا الخطأ الكبير فخاض في تفسير الأحاديث المتشابهة وقال في ذات الله وصفاته ما أنكره