تعالى معنونا عنه بالربوبية وبين خلقه لكل شيء وتسويته إياه، وتقدير المقدرات وتهيئتها لما خلقت له الخ إلا علو الكمال؟ وهل يفهم منه علو المكان إلا من تسفل عن مقام أهل الفهم والعرفان؟ وأبصر إلى قوله {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [طه: 114] بعد نفى العبث عن ذاته على أبلغ وجه في الآية قبلها ومع التعبير عن ذاته بهذه الأسماء العليا: الله الملك الحق. أيخطر بعقل ذي لب أنه جلوس على عرش وارتفاع مكان؟ حاشا أن يكون ذلك من أفهام العقلاء. ونعوذ بالله من غلبة الوهم على الفهم وتلاعب الهوى بالذهن.
والعلو المعنوي منتشر في القرآن مستفيض في لغة العرب في وصف الخالق والمخلوق على ما يليق بكل {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} [آل عمران: 139] {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 31] {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ} [الكهف: 20] والظهور هنا هو العلو {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ} [القصص: 4] {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127] {وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [الدخان: 19] {وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} [الإسراء: 7] {لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} [طه: 68] ولما ذاق المشركون حلاوة النصر المؤقت يوم أحد قال قائلهم (أعل هبل) وهو اسم صنم لهم أجابهم المسلمون عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم: (الله أعلى وأجل) وفي شعر العرب:
ولما علونا واستوينا عليهم. ... تركنا هموا مرعي لنسر وكاسر
ولو ذهبنا نستقصي ما في الكتاب العزيز من ذلك وما في كلام العرب لكان مجلدا، وأين علو المكان من علو السلطان؟ وهل العلو في المكان إلا كمال جسماني عرضي نازل كل النزول عن الكمال الذاتي الأصلي؟ تعالى الله عما يخطر للواهمين. وقال الإمام أبو جعفر في قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] إلا هو. وقال البخاري في