وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الروم: 27] وقد مر شرحهما قريبا،
وإذ قد ثبتت وحدانيته فيما ذكر لزم أنه لا خالق سواه ولا رب غيره، لما مر أن الإيجاد والإحداث يستحيل أن يكونا من الممكن فتعين أن يكونا من الواجب الذي لا شريك له في وجوب الوجود وتوابعه.
وإذا بان أنه لا خالق سواه ثبت قطعا أنه لا يستحق العبادة غيره، فإن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ــ أي استحقاق العبادة ــ متلازمان عرفا وشرعا، فالقول بأحدهما قول بالآخر، والإشراك في أحدهما إشراك في الآخر، فمن اعتقد أنه لا رب ولا خالق إلا الله، لم ير مستحقا للعبادة إلا هو، ومن اعتقد أنه لا يستحق العبادة غيره كان ذلك بناء منه على أنه لا رب إلا هو، ومن أشرك مع الله غيره في العبادة كان لا محالة قائلا بربوبية هذا الغير، هذا ما لا يعرف في الناس سواه، فأن ما لا تعتقد له ربوبية استحال أن يتخذ معبودا، ولهذا تجد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن أرسلهم جل جلاله يكتفون في الدعوة إلى التوحيد بأحدهما ويضعون كلا منهما موضع الآخر، اكتفاء بشدة التلازم بينهما في العقول، وأن القول بتوحيد الربوبية هو إقرار بتوحيد الألوهية وبالعكس وإليك البيان من القرآن والسنة: أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم، فماذا كانت صيغة العهد بنص القرآن؟ هكذا (ألست بربكم) ولم يقل بإلهكم، وجعله سبحانه حجة على من أشركوا به في العبادة حيث قال {تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ} [الأعراف: 172، 173] الآية. أليس هذا صريحا في أن أخذ العهد بتوحيد الربوبية هو أخذ للعهد بتوحيد العبادة؟ هذا ما لا خلاف فيه بين العلماء من زمن الصحابة