ونحن قادرون على جعله أضعافا مضاعفة، غير أن عنايتنا اقتضت أن لا تبرز من علي جودنا إلى فضاء هذا الوجود إلا ما تحده الحكمة ويقتضيه علمنا الأعلى، ورحمتنا التي لا تحد. قال الإمام المحقق ناصر الدين البيضاوي في تفسيرها (( وما من شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه، فضرب الخزائن مثلا لاقتداره، أو شبه مقدوراته بالأشياء المخزونة التي لا يحوج إخراجها إلى كلفة واجتهاد (( وما ننزله ) )من يفاع القدرة (( إلا بقدر معلوم ) )حدته الحكمة وتعلقت به المشيئة، فإن تخصيص بعضها بالإيجاد في بعض الأوقات مشتملا على بعض الصفات والحالات، لا بدله من مخصص حكيم )) انتهت عبارته رضي الله عنه ــ واليفاع ــ بفتح الياء المثناة من تحت والفاء المخففة: المرتفع وأشار به إلى أن التنزيل هنا ليس من باب المكان كما يخطر للواهمين وإنما هو من علو مقام المعطى جلا جلاله.
ثم الآية المكريمة بعد هذا تعطيك مسألة من علم التوحيد، بل مسائل هي من أهم مسائله وهي أن كل مقدر ومحدود بحدود، فهو حادث ممكن، لا بد له في وجوده واختصاصه بقدره الذي هو عليه من فاعل موجود واجب، أعطاه وجوده وخصصه بالقدر الذي هو عليه، وما من شيء في العالم إلا وهو ذو قدر معين في ذاته ومكانه وزمانه وصفاته، من صغر وكبر، وطول وقصر، وخفة وثقل، ونور وظلمة، وارتفاع وانخفاض، ولطافة وكثافة، وسيلان وجمود، وحرارة وبرودة، وحركة وسكون، وما يستتبع هذا من أشكال وألوان، وطعوم وروائح، وصعود ونزول، وأمكنة وجهات، وقرب وبعد، إلى سائر خصائص المادة مما لم نذكره وبين في علم خصائص المادة، فكل ذلك تنطق الآية الكريمة بأنه مختص بالمخلوقات يتعالى عن الاتصاف بشيء منه ربها وخالقها، فإن