محدثة مخلوقة، وأن المنفرد بخلقها والمستحق لعبوديتها هو ذلك الرب الواحد المجيد. ــ ويا سبحان الله ما أعجب إرشاد هذا القرآن!! يرى التفاوت بين العقول فمنها القوى على الجولان في ملكوت السموات والأرض، القادر بإذن الله على استخراج ما لا يحصى من درر آيات الله من بحار هذا الملكوت فيطلق له النظر في الآيات إطلاقا كما في الآيات التي تلوناها. ومنها المتوسط ودون المتوسط فيضع في يده من تلك الآيات ما يكون له صراطا مستقيما إلى المطلب.
فانظر معي ــ بصرك الله ــ إلى صرائح هذه الآيات التي أتلوها عليك {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} [الحجر: 16] والبروج: الكواكب العظام {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} [الحجر: 19] فتأمل في قوله (( مددناها ) )فهذا المد فيها مع كونها كرة من أبدع ما يدل على حكمة من وضعها لمعيشة هذه الكائنات عليها، وتبصر جد التبصر في قوله في النبات {مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} [الحجر: 19] ولن تستطيع أن تفهمه حق فهمه حتى تتبحر في علم المملكة النباتية وتقرأ ما كتب في النبات وأجزائه ومقادير العناصر التي تنساق إليه على ما يناسب كل نوع منه. وللفاضل الشيخ طنطاوي جوهري في تفسير هذه الآية وأشباهها من تفسيره المطبوع يد طولي في بيان بعض هذه الأسرار التي لا يحيط بتمامها إلا الخلاق العليم. فارجع إليه إن أحببت اقتباس هذه الفوائد الشريفة. ثم قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [الحجر: 21] فأقسم بالذي أنزلها إن المجلدات الكثيرة الضخمة لن تفي بتفسير هذه الآية على التفصيل، بل ولا بعشر معشارها، فإنه شرح المكونات كلها وبيان الحكم التي لا تحصى في تخصيصها بما هي عليه من صفاتها ومقاديرها، وأوقاتها وأشكالها وألوانها وإضاءة المضيء منها، وغير ذلك مما لا يضبطه العد ــ والمعنى الإجمالي لهذا الكلام العزيز أن الوزن بميزان الحكمة ليس قاصرا على النبات فحسب، وليس ما في الكون كله هو كل ما في قدرتنا، بل ما من شيء في الكون إلا