فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 133

أنزل منه كتبه على رسله فضلا منه ورحمة، كان ولم يكن شيء غيره، ثم فطر هذه الكائنات منا منه بها عليها. وأبدعها على صفات تدل عقلاءها على أنها حادثة ممكنة، وترشدهم إلى انفراد مبدعهم بالكمال الأعلى، فكان من علي اقتداره أن جعل الحجة منهم عليهم، والدلالة عليه سبحانه فيهم لازمة لهم، وخلق العقول وألهمها التفكر فيما لديها وما بين يديها، وأكمل حجته وأبان محجته بإرسال المرسلين وختمهم عليهم الصلاة والسلام بأوضحهم بيانا وأفصحهم لسانا وأجمعهم كتابا وأظهرهم صوابا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فبلغت حجته سبحانه غايتها، وظهر برهانه أظهر من كل ظهور لا سيما بهذا الكتاب المبين، فإنه يأمر العقول بالنظر، ويهيب بالأفكار أن تتحرك ويصيح بالجامدين على التقليد بآبائهم فيما ورثوا من الجهل أن يستبصروا فيقول {أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [سبأ: 9] ويستلفت إلى ما هو أقرب من السماء والأرض وهو الأنفس فيقول: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ} [الروم: 8] ويزيد في البيان فيقول: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الجاثية: 3 - 5] يعني أنه سبحانه قد جعل فيما ذكر أمارات واضحة ودلائل ناطقة بحاجتها إلى الخالق الحكيم، وانفراد هذا الخالق بالكمال الأتم فلا يصح أن يعبد سواه، ولا يرجى الخير إلا منه، ولا يدفع الضر إلا هو: فان الآيات جمع آية وهي العلامة والأمارة والدليل، وقد جعلها من الظهور بحيث لا يمنع من فهمها إلا انصراف العقل عن النظر إليها، وتلوث النفس بجراثيم التشكك فيها الذي لا مبرر له، والعناد بغيا وتكبرا، وهذا هو السر في قوله تعالى (للمؤمنين ــ لقوم يوقنون ــ لقوم يعقلون) فالمعنى أن من أراد أن يؤمن بهذا الهدى وطلب اليقين بهذا الحق، وأعطى العقل حظه من النظر الصحيح، وجد في السموات والأرض وما ذكر في الآيتين ما يبلغه ما يريد، ويدله على أن هذه الكائنات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت