(نسأل الله حسن الخاتمة)
اعلم أنه تعالى منذ أنشأ هذا النوع الإنساني لم يزل يتعهده برسله الكرام إقامة لحجته وإظهارا لمحجته، كما قال سبحانه {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وينزل من كتبه ما يناسب استعداد الأمم، حتى إذا أوشك العالم على النهاية واقتربت الساعة وترقى استعداد النوع بعث إلى الناس كافة عربا وعجما بل إنسا وجنا نوره المبين وحجته الكبرى ونعمته العظمى خاتم النبيين وتمام المرسلين سيدنا ومولانا ونبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه القرآن الحكيم والفرقان العظيم فيه الشريعة العامة الصالحة لكل زمان ومكان، وأيده من آياته بما أظهر صدقه ظهور الشمس وتكفل بحفظ كتابه حتى تبقى حجته ظاهرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، واختار له أصحابا يكفيك في شرفهم أنهم المواجهون بالخطاب في قوله تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] ولم يخرج عليه الصلاة والسلام من الدنيا حتى أنزل عليه في حجة الوداع يوم عرفة ــ وكان يوم جمعة ــ قوله تعالى {لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] وكان قد أوتي جوامع الكلم وهي ما يجمع العلوم الكثيرة في الألفاظ الموجزة القليلة، وذلك ظاهر في كتابه المنزل عليه، وفي نصائحه التي يرشد بها الأمة. ولما اقترب أجله الشريف أكثر من الخطب حتى لقد روى في الصحيح عن عمر وحذيفة رضي الله عنهما (( أنه عليه الصلاة والسلام صلى الصبح ذات يوم ثم قام فيهم خطيبا إلى الظهر، ثم صلى الظهر وعاد إلى خطبته حتى إذا كان العصر صلى العصر وقام خطيبا حتى غاب قرص الشمس. قال حذيفة