الأخ في دين الله أن نرجع بك إلى المفزع عن التنازع، وهو الرد إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله فتنظر ما حقيقة الإيمان والإسلام فيهما، وما هي حقيقة العبادة شرعا، ثم نقف بك بين يدي الكتاب والسنة وما عليه أكابر الأمة في هذه المسألة وما يتصل بها، على قدر ما تسعه هذه العجالة، فإذا انتهينا من القول في ذلك أريناك أين نبتت هذه التهويشات. وإلى الله المشتكى وهو المستعان.
الإيمان على ما دل عليه حديث جبريل السابق ويرشد إليه استقراء الكتاب العزيز هو تصديق النبي صلى الله عليه وسلم فيما علم مجيئه به من عند الله علما ظاهر مشتهرا بحيث يشبه ما علم بالضرورة إجمالا فيما علم مجيئه به إجمالا، وتفصيلا في غيره على وجه مخصوص، وهو أن يكون بحيث ترضخ له النفس ولا تأنف من إعلانه وترضى بتبعية هذا الرسول ولا تتكبر عنها، فهو أخص من مطلق التصديق الذي هو المعنى اللغوي، كما هو الشأن في المعاني الشرعية مع المعاني اللغوية، وأخص أيضا من التصديق المنطقي كما لا يخفى، وخرج بالقيد الأخير إيمان أهل الكتاب الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وتكبروا عن متابعته، وأنفوا عن الدخول في دينه حسدا وبغيا، وكتموا ما علموا من الحق، فإذا قوى هذا التصديق تفرع عنه التحلي بأداء الأوامر والتخلي عما نهى عنه من الرذائل، فالأعمال الصالحة تكملة ولذلك عطفت عليه في الآيات {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 25] {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشعراء: 227] {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} [الكهف: 107] وهو في القرآن كثير (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) سماهم كما ترى مؤمنين، وقد يطلق على بعض الأعمال مجازا مرسلا من إطلاق اسم السبب على المسبب، كقوله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] أي صلاتكم كما يعلم من سبب نزولها، وقد يطلق مجازا أيضا على ما يشمل التصديق بالجنان