الأوصاف العليا، والمعاني الرفيعة، والمتع العقلية المتنوعة، فقال: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57] .
إليك سورة كريمة من سور هذا الكتاب العزيز ليس فيها إلا هذا الصنف من البراهين الحسية والأدلة التي شوهدت حقائقها في العوالم الخارجية وهي التي يطلق عليها الكيماويون اليوم الأدلة العلمية، وهي سورة القمر، ابتدأها الله تعالى بآية سماوية كبرى، لا يحوم حول سناها الوضاء غبش من شك، ولا غلس من شبهة، قد رآها المخاطبون بأعينهم، وشاهدوا ضياءها بأنفسهم، في مجمع ينتظم أكابر المعاندين الجاحدين، وخلص المؤمنين المنصفين، وهي انشقاق القمر في ليلة أضحيان.
أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما وغيرهما من المحدثين عن عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أن كفار أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، وأن تكون هذه الآية انشقاق القمر، فدعا ربه فانشق القمر فلقتين وهم ينظرون، فقال صلى الله عليه وسلم: أيها الناس اشهدوا ) )ثم عاد كما كان بعد ما اتضحت آية القمر وضوح الشمس. {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} [التوبة: 124، 125] فقال قائلون منهم إن محمدا سحر أعيننا، وقال آخرون لئن استطاع محمد أن يسحر مجلسنا فلن يستطيع أن يسحر المارة من أهل الآفاق خارج مكة فارقبوهم فسلوهم. فتحروا فسألوا المارة في تلك الساعة أرأوا في القمر شيئا وهم يمشون على نوره؟ فاتفقت كلمة الكل أنهم رأوا القمر قد انشق بفرقتين، ثم عاد كما كان، فقال الذين لجوا في عتو ونفور: ما حكى الله في قوله {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 1، 2] فلم ينكروها ولكن تأولوها بما لا يقبله منصف ولا يرتضيه إلا صاحب هوى، ولذلك أردفه بقوله سبحانه
{وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [القمر: 3]