حديث أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في وصف القرآن العظيم قاله: (( فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ــ أي لا تنحرف الأهواء عن الحق ما دامت تصاحبه ــ ولا تلتبس به الألسنة ــ أي لا يشتبه على الألسنة ــ بغيره لقوة ظهوره وشدة يمزه عن كلام الناس بنظمه وأسلوبه وحفظ الله إياه ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه ) )الحديث، وقوله فيه يخلق بضم اللام وفتحها مع فتح الياء أو بضم الياء مع كسر اللام من أخلق وكله بمعنى يبلى كما سبقت الإشارة إليه في المقدمة.
اعلم أن الحكمة التي هي بمعناها الصحيح وهي الحق المحض ولب العلم الخالص والتي الاحراف عنها أو التحريف فيها خروج عن الجادة ودخول في الباطل. الحكمة التي هذا وصفها هي ما جاء به القرآن المجيد، ونطق به الخبر الصحيح، عن سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وهي أن لهذا العالم كله عاليه وسافله، شاهده وغائبه. لطيفه وكشيفه. ربا واحدا لا شريك له وإلها فردا لا نظير له، وهو الأول لا ابتداء لوجوده الأعلى، وسائر كمالاته العليا ولا انتهاء. المقدس عن البساطة والتركب المنزه عن الأعضاء والأجزاء، المتعالى عن الحدوث والامكان ولوازمهما، المبرأ عن الاحتياجات، الغنى كل الغنى عما سواه، الحي بذاته لا بروح تحله ولا بسبب يقتضيها، المحيي لما شاء كما يشاء، النافذ الإرادة، التام القدرة على ما يريد. لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، علم كل شيء قبل أن يكون شيء، علما أزليا كسائر صفاته المقدسة. وليس علمه عن كسب ولا تجربة وهو السميع البصير، جل سمعه عن الحاجة إلى الأعصاب والاصمخة والآذان، وتعالى بصره عن الحدقة والاجفان