قلتم بها في ذات الله، فلماذا لا تقولون بتلك الصفات الوجه وما ذكر معه؟ {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85] ؟ فكما قلتم له علم لا كالعلوم، وقدرة لا كالقدر، فقولوا له وجه لا كالوجوه، ويد لا كالأيدي، ورجل لا كالأرجل وساق لا كالسوق، ويتوسعون في ترويج هذا الكلام بما شاء لهم الهوى وأشربوا في قلوبهم من التجسيم والتشبيه، حتى انخدع بهذا الكلام من أهل الفضل من تروج عليه الحيل، ويغره الزخرف من القول، ويزيد في رواج هذا الزخرف أن هذه العبارة (له وجه لا كالوجوه) توجد من بعض الأكابر المنزهين للحق عن الأجزاء والجسمية كما هو الحق، وهي من الحشوية مغالطة مفضوحة وباطل مكشوف للناقد البصير، فإن الوجه والعين واليد والرجل والساق أجزاء وأبعاض وأعضاء لما هي فيه من الذوات، لا معان وأوصاف تقوم بموصوفاتها، فأين هي مما ألحقوها به من الحياة والعلم والإرادة والقدرة؟ وهل هذا إلا كتشبيه العالم بالعلم والأبيض بالبياض؟ وهل تسميتهم لها بالصفات إلا ستر لموقفهم من التشبيه بما لا يسترهم عن ذوي الأنظار النافذة. وتحجب عن سهام النقدة من أهل السنة الراسخين في علم الكتاب العزيز بنسج العنكبوت، وهو كما علمت لا ينفعهم ولا يدفع عنهم منها شيئا، فإن تهرب منهم متهرب ــ وكثيرا ما يفعلون ــ فقال: إنا لا نريد بالوجه وأخواته ما هو أجزاء وأبعاض، بل نريد ما هو صفات حقيقة كالعظمة والملك والبصر والقدرة ونحوها ولكنا لا نعين المراد، قلنا: مرحبا بالراجعين إلى الحق، وبشرى بالرجوع إلى صميم الإسلام ولب العلم، والسلفية الحقة، ولا نزاع بيننا وبينكم فقد انصرفتم عن الحشوية، ولكنهم والأسف مل فؤاد ناعليهم، على ذلك لا يثبتون، وما أسرع ما تراهم إلى القول بالتجزئة والتشبيه يرجعون، فنعوذ بالله تعالى من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
إذا سمعت في عبارات بعض السلف إنما نؤمن بأن له وجها لا كالوجوه ويدا لا كالأيدي فلا تظن أنهم أرادوا أن ذاته العلية منقسمة إلى أجزاء وأبعاض. فجزء منها يد وجزء منها وجه غير أنه لا يشابه الأيدي والوجوه التي للخلق حاشاهم من ذلك، وما هذا إلا التشبيه بعينه، وإنما أرادوا بذلك أن لفظ الوجه واليد قد استعمل في معنى من المعاني، وصفة من الصفات التي تليق بالذات العلية كالعظمة والقدرة، غير أنهم يتورعون عن تعيين تلك الصفة تهيبا من التهجم على ذلك المقام الاقدس، وانهز المجسمة والمشبهة مثل هذه العبارة فغرروا بها العوام، وخدعوا بها الأغمار من الناس، وحملوها على الأجزاء فوقعوا في حقيقة التجسيم والتشبيه، وتبرؤوا من اسمه، وليس يخفى نقدهم المزيف على صيارفة العلماء، وجهابذة الحكماء، ويدلك على إرادة السلف ما قلنا ما نقله الذهبي نفسه في كتابه الذي سماه (( العلو ) )عن الإمام مالك وشيخه ربيعة ونظرائهما قالوا حين سئلوا عن قوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] كيف استوى؟ (والكيف غير معقول) وكذلك نقل الذهبي بالسند في هذا الكتاب عن أبي عبد الله الحاكم وأبي زرعة اتفاق جميع فقهاء الأمصار من أهل تلك الأعصار أنهم يؤمنون بهذه الصفات من غير كيف، فانظر كيف نفوا الكيف مجمعين وهو صريح في أنها ليست أجزاء ولا جسمانية فإن الاستواء الجسماني والوجه الجسماني وما إليه لا بد لها من الكيف قطعا، إذ هو لازم من لوازم ذاتها لذاتها، ونفى لازم الماهية لذاتها يستلزم نفيها عند جميع المنصفين من العقلاء الذين لم يصابوا بالأهواء وانظر كيف سموها صفات ولم يسموها أبعاضا وأجزاء.
والخلاعة أنه يندفع عنك أيها الطالب لمعرفة مذهب السلف الصالح الوهم بأمرين، إجماعهم على نفي الكيف، بل تصريحهم بأن الكيف غير معقول. والتسمية لها بالصفات، والعجب أن الذهبي ينقل ما هو حجة عليه، يظن أنه حجة له، وكذلك يفعل ابن تيمية على ذكائه ويزيد على ذلك كأسلافه نقل الطامات عن الأئمة بأسانيد فيها القائلون بالجسمية والدعاة إليها. وما أبدع