بالأعلى وهو من علو الرتبة، وقدم فيه الخبر للإشارة إلى الاختصاص، وتمم الكلام بقوله في السموات والأرض، لإيضاح أن اختصاصه بذلك أمر ظاهر في العوالم كلها، نادى به لسان حالها، ونطق به مؤمنوا أهلها. وغير خفي أن هذه العبارة التي لا يفي التعبير ببيان منتهى جزالتها وارتفاع بلاغتها، تدل ذا اللب على اتصافه تعالى بالوجود الواجب ولوازمه من انتفاء الأولية والتعالي عن النهاية، والتقدس عن سمات الحدوث ولوازم الإمكان: من الحدود والمقادير والأمكنة والجهات والانفراد بما ذكر، وبالحياة المستغنية عن النفس ــ بسكون الفاء ــ والنفس بفتحها، والعلم الأكمل المحيط، والإرادة النافذة، والقدرة التامة المقدسة عن الحاجة إلى الآلات، والحكمة الشاملة والسمع والبصر الكلام المتعاليات عن الجوارح والقيود التي تكون في المحدثات الخ، ما فصله علماء التوحيد في المطولات. شكر الله سعيهم. وبهذا كله تعلم وفقك الله أن ما اتفق عليه أهل الحق مما أشرنا إليه في هذه الرسالة من وجوب تنزهه سبحانه عن أضداد تلك الكمالات العليا، ووجوب اتصافه بما دخل من الصفات في المثل الأعلى، هو ما ينطق به القرآن الحكيم لمن أوتى الفهم فيه من أهل العلم، فلا يهولنك ما تسمع من تهويش مبتدعة العصر تبعا لأسلافهم، بتسمية المنزهين للحق عن الجهة والمكان معطلة وجهمية، وتلقيب القائلين ببدعتهم بالموحدين والمثبتين، كما لقب المعتزلة أنفسهم بالعدلية، ولقبوا أهل السنة المحققين المؤمنين بالقدر بضد ذلك اللقب، فلا يصرفنك النبز بالألقاب إلى الانحراف عن الحق الصراح الذي أرشد إليه كتاب الله وأوضحه أتم إيضاح.
اعلم أن التوحيد الذي جاءت به المرسلون وبينه خاتمهم عليه وعليهم الصلاة والسلام أتم بيان، ونطق به القرآن وبرهن عليه أسطع برهان، هو أنه تعالى واحد