أن الحادث لا يكون إلا ممكنا، وكذلك ما يقبل الفناء، فإن وجوده لا يكون لازما من لوازم ذاته لذاته، فيكون ممكنا لا محالة، وقد ثبت للحق وجوب الوجود فوجب له القدم والبقاء، ومن أحكام الواجب الوحدة في ذاته بمعنى نفي التركب عنه، ونفي الامتداد وقبول الانقسام، فإنه لو تركب تعالى لكان في حاجة إلى الأجزاء التي يتركب منها، وإلى من يركبه، وذلك من سمات الحدوث، والحدوث فرع عن الإمكان. وقد دل الكتاب العزيز والعقل الصحيح على أنه واجب الوجود، ولا يكون الحق تعالى صغيرا ولا كبيرا كبر الأجسام، ولا يجوز عليه الامتداد ولا قبول الانقسام، ولا الجسمية ولا شيء مما يستلزمها من المقادير والجهات والأمكنة، وإلا لتطرقت الحاجة إليه، وكيف وهو الغني الحميد على الإطلاق. وهذه الكلمة الشريفة ليس فيها ذلك فقط بل فيها أن له الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام في أكمل مراتبها وهي المرتبة اللائقة بوجوب وجوده عز وجل. ووجوب الوجود يستدعي وحدانيته عز وجل في الألوهية وخصائصها. ودونك آيتين كريمتين تجمع إحداهما صفات الجلال، والأخرى صفات الكمال التي يجب إثباتها لذي الجلال والإكرام. فأولاهما قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] والأخرى قوله عز وجل {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم: 27] ) فقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] نفت أن يكون له شبيه على أبلغ وجه بطريق الكناية، فإن معناها المراد: ليس كهو شيء، وليس معناها أن له مثلا ولا يشبه المثل شيء فهذا ما تأباء اللغة كل الإباء. فإن العرب تقول: مثلك لا يبخل ومثلك من يجود، وهي تريد نفي البخل عن المخاطب، وإثبات الجود له، ومن لم يتضلع من علم العربية وأصرار بلاغتها ضل في فهم الكتاب العزيز ضلالا بعيدا. وهو يحسب أنه على هدى مستقيم.
وقوله جل شأنه: (( وله المثل الأعلى ) )دل على أنه المتصف بكل كمال يليق بقدس ذاته وجلالة صفاته، والمثل هنا بمعنى الوصف العجيب الشأن، وقد وصف