وأن ما اختصت به من الصفات ينادي بحدوثها، وحدوثها يدل دلالة لا لبس فيها على إمكانها، وأن الممكن لا يترجح وجوده على عدمه، ولا يبرز من العدم إلى الوجود إلا بمن علا عن دوائر الإمكان، وثبت له وجوب الوجود ولوازم ذلك الوجود الواجب، وتقرر أن وجود الممكن مرآة للواجب جل شأنه، فأول ما يتراءى لك في مرايا الممكنات من صفاته عز وجل هو وجوب وجوده. والقرآن الكريم قد أفاد هذه الصفة العلية له عز وجل في مواضع كثيرة جدا بأساليب رائعة متنوعة، وعبارات تمر إلى القلوب من الآذان بلا استئذان، فمن ذلك قوله عز وجل {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] وقد سبق في المقدمة بيانه مستوفى، ومن ذلك قوله عز وجل {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: 3] وهي جملة معرفة الطرفين، فهي تفيد أن الأول هو لا سواه، وأن الآخر هو لا غيره، ولا ذلك كذلك إلا إذا كان الوجود لازما له بلا ابتداء ولا انتهاء، وذلك هو معنى وجوب الوجود. ومن ذلك قوله تعالى {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] والخالقية للأشياء لا تكون إلا وصفا لمن وجب وجوده، فإن الممكن لا يملك لنفسه فضلا عن غيره ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. ومن ذلك قوله تعالى وهو أظهر وأبهر وأجمع المعالي الكمالات الربانية، ونفى سمات الحدوث والإمكان عنه {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [لقمان: 26] وقد زاده تأكيدا حيث قال في آية أخرى {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحج: 64] فجعل الفقر لكل ما عداه، والغنى كله في أعلى درجاته له دون ما سواه، تلك كملة أجمع كل العقلاء عليها وإن تقاصر بعضهم عن العلم بكثير مما انطوت عليه، فضلوا وأضلوا، فإنها تدل بأجلى بيان على وجوب وجوده تعالى ولوازم هذا الوجود من القدم والبقاء ونفى سمات الحدوث من الصغر والكبر والكون في الجهة والمكان إلى آخر ما عددنا في الفصول السابقة، فإن للواجب أحكاما لا تنفك عنه من حيث هو واجب. فمنها القدم والبقاء فإنهما لو انتفيا أو أحدهما لكان هذا الموجود ممكنا، فإن ما ليس بقديم هو الحادث، وقد سبق لك مرارا