فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 133

(فصل: في فضل الإيمان بالغيب وحكته، وعظم نقص من لم يتصف به)

اعلم أن السير وراء الوهم واتباع الوساوس مضلة عظيمة لهذا النوع البشرى وإنما سبيل النجاة من النقائص، والفوز بالكمالات في العلم والعمل هو إتيان البيوت من أبوابها واستفتاح الخرائن بالمفاتيح التي وضع الله لها. فعلم المادة والماديات يستفاد من الحواس والتجارب، وعلم ما وراء المادة وما علا عن خصائصها يستفاد بالبراهين العقلية الصحيحة المنطقية، والأدلة النقلية الثابتة عن المعصوم، ولكل حاسة من الحواس وظيفة في الأفادة لا تتعداها، فالألوان والأضواء والأشكال تعرف بحاسة البصر. والأصوات وصفاتها تدرك بحاسة السمع، وهكذا في سائر الحواس. فمن حاول أن يعرف اللون بالسمع أو الصوت بالبصر انقضى عمره ولم يعرف من ذلك شيئا. ومن طلب معرفة من تعالى عن أن يدرك بألطف الحواس فضلا عن كشيفها من طريق هذه الاحساسات، ولم يسلك طريق البرهان، ورفض الإيمان إلا بما يرى أو يلمس، فقد انحط عن درجة الإنسانية العليا، إلى دركة البهيمية السفلى، وفي هؤلاء يقول القرآن الحكيم {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 4، 5] فقول من يدعى الثقافة: أنا لا أصدق بالله وملائكته لأن هذا شيء ما رأيته، ولا يدخل تحت التجارب في المعامل، هو قول {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور: 39] وليس يبتنى على حكمة، ولا يمت إلى فلسفة صحيحة، وإنما هو محض العناد للحقائق وصرف الجحود للحق تعمدا، وهو كقول من يقول: أنا لا أصدق بوجود الأصوات لأن عيسى لا تراها، ولا أو من بالألوان والاشكال لأن سمعي لا يحس بها، فمثل هذا القائل يعتبر في نظر العقلاء معتلا مختلا، والحكيم معه على إحدى سبيلين. إما أن يهمله إهمال العالم إلقاء الدرس على البهائم لأنها ليست بأهل أن تفهمه، أو يتنزل إلى محادثته لئلا يغتر به غيره من الذين لم يتلوثوا بجراثيم مرضه، فيقول له: ليس بالسمع تدرك الألوان ولا بالبصر تدرك الأصوات، حتى يكون ذلك دليلا على إنكارها، وكذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت