فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 133

القاسم القشيري ينقل في كتابه الرسالة عن جعفر الصادق الإمام الأجل وعن أكابر المتقدمين من العلماء العاملين، والصوفية الواصلين، أهل المكاشفات الصادقة، قولهم بنفي الجهة والمكان والجسمية وسائر ما يستلزمها أو تستلزمه عن الحق العلى تبارك وتعالى، لأن ذلك كله من سمات الحدوث، وخصائص الممكنات.

(زيادة تبصير وتنوير)

وأنت إذا أنعمت التفقه فيما احتج به الله في كتابه المبين، وحكاه فيه عن المرسلين إجمالا وتفصيلا، وجدت ذلك لائحا واضحا. فانظر إلى قوله في أم القرآن (رب العالمين) أي موجد كل ما سواه، ومدرجه في الكمال شيئا بعد شيء، كيف عبر عن هذه الأشياء بكلمة العالمين، وهي جمع عالم، وهو في هذه اللغة الفصحى التي اختارها الله لهذا الكتاب المبين: ما به يعلم غيره وجعلت فيه العلامة ونصب دليلا عليه. فكأنه يقول سبحانه: لي الثناء الجميل لا يستحقه سواي لأني أنا المنعم على كل شيء مما ترون وما لا ترون بوجوده وسائر كمالاته وقد جعلت فيه العلامات والدلائل على حدوثه وقدمي وفنائه وبقائي، واحتياجه وإمكانه وغناي ووجوب وجودي وكمال جودي. وهذه الأمارات فيه ظاهرة بحيث تصلح للاحتجاج بها على جميع العقلاء إذا نظروا منصفين. وفكروا غير معاندين. وما هذه الآيات البينات التي يكون الكل سواء في تعرفها إلا جعل كل شيء منها على قدر مخصوص، وحد معين في حجمه وأجزائه، وشكله ولونه ومكانه وزمانه وأوصافه التابعة لذلك، فكل ذلك شهود منها عليها للناظرين بأنها حادثة ممكنة بأحداث واحد حكيم، ومقدرة بتقدير العزيز العليم، ومفاض عليها الخير من الجواد الكريم، وكذلك قال تعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1] فقد جعلت الآية الكريمة كون السموات والأرض والظلمات والنور من المحدثات المجعولات مما لا يخفى على من نظر فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت