فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 133

أفنى الآخر، فكان محالا وجود شيء من الخلق على ما وجد عليه من التمام والاتصال. وفي قول الله عز وجل ذكره {وْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22] وقوله عز وجل {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 91، 92] أبلغ حجة وأوجز بيان وأدل دليل على بطول ما قال المبطلون من أهل الشرك بالله، وذلك أن السموات والأرض لو كان فيهما آلهة غير الله لم يخل أمرهما مما وصفت من اتفاق واختلاف وفي القول باتفاقهما فساد القول بالتثنية، وإقرار بالتوحيد، وإحالة في الكلام بأن قائله سمى الواحد اثنين. وفي القول باختلافهما القول بفساد السموات والأرض كما قال ربنا عز وجل {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] لأن أحدهما كان إذا أحدث شيئا وخلقه كان من شأن الآخر إعدامه وإبطاله. وذلك أن كل مختلفين فأفعالهما مختلفة، كالنار التي تسخن والثلج الذي يبرد ما أسخنته النار: وأخرى أن ذلك لو كان كما قال المشركون بالله لم يخل كل واحد من الاثنين اللذين أثبتوهما قديمين من أن يكونا قويين أو عاجزين، فإن كانا عاجزين فالعاجز مقهور وغير كائن إلها، وإن كانا قويين فإن كل واحد منهما بعجزه عن صاحبه عاجز، والعاجز لا يكون إلها، فإن كان كل واحد منهما قويا على صاحبه فهو بقوة صاحبه عليه عاجز، تعالى ذكره عما يشرك المشركون. فتبين إذا أن القديم بارئ الأشياء وصانعها هو الواحد الذي كان قبل كل شيء، وهو الكائن بعد كل شيء، والأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، وأنه كان ولا وقت ولا زمان ولا ليل ولا نهار، ولا ظلمة ولا نور إلا نور وجهه الكريم، ولا سماء ولا أرض، ولا شمس ولا قمر ولا نجوم، وأن كل شيء سواه محدث مدبر مصنوع انفرد بخلق جميعه بغيره شريك ولا معين، ولا ظهير، سبحانه من قادر قاهر )) انتهى.

وهو كما ترى صريح فيما قلنا لمن تأمله، وهذا إمام العارفين الثقة الحجة أبو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت