ما شاهدنا في معنى جسم أو قائم بجسم، وكان ما لم يخل من المحدث لا شك أنه محدث بتأليف مؤلف له، إن كان مجتمعا، وتفريق مفرق له إن كان مفترقا، وكان معلوما بذلك أن جامع ذلك إن كان مجتمعا، ومفرقه إن كان مفترقا، من لا يشبهه ولا يجوز عليه الاجتماع والافتراق، وهو الواحد القادر الجامع بين المختلفات، الذي لا يشبهه شيء وهو على كل شيء قدير. فتبين بما وصفنا أن بارئ الأشياء ومحدثها كان قبل كل شيء، وأن الليل والنهار والزمان والساعات محدثات، وأن محدثها الذي يدبرها ويصرفها قبلها أن كان من المحال أن يكون شيء يحدث شيئا إلا ومحدثه قبله. وإن في قوله تعالى ذكره {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية: 17 - 20] لأبلغ الحجج، ودل الدلائل لمن فكر بعقل واعتبر بفهم على قدم بارئها وحدوثها. وكل ما جانسها؛ وأن لها خالقا لا يشبهها، وذلك أن كل ما ذكر ربنا تبارك وتعالى في هذه الآيات من الجبال والأرض والإبل فان ابن آدم يعالجه ويدبره بتحويل وتصريف، وحفر ونحت وهدم، غير ممتنع عليه شيء من ذلك، ثم إن ابن آدم مع ذلك غير قادر على إيجاد شيء من ذلك من غير أصل. فمعلوم أن العاجز عن إيجاد ذلك لم يحدث نفسه، وأن الذي هو غير ممتنع ممن أراد تصريفه وتقليبه لم يوجده من هو مثله، ولا هو أوجد نفسه، وأن الذي أنشأه وأوجد عينه هو الذي لا يعجزه شيء أراده، ولا يمتنع عليه إحداث شيء شاء إحداثه. وهو الله الواحد القهار. فإن قال قائل فما تنكر أن تكون الأشياء التي ذكرت من فعل قديمين؟ قيل أنكرنا ذلك لوجودنا اتصال التدبير وتمام الخلق، فقلنا لو كان المدبر اثنين لم يخل من اتفاق أو اختلاف، فإن كانا متفقين فمعناهما واحد، وإنما جعل الواحد اثنين من قال بالاثنين. وإن كانا مختلفين كان محالا وجود الخلق على التمام والتدبير على الاتصال، لأن المختلفين فعل كل واحد منهما خلاف فعل صاحبه، بأن أحدهما إذا أحيى أمات الآخر، وإذا أوجد أحدهما