وتغاير أصنافها فقال سبحانه {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} [التكوير: 15، 16] أي الكواكب المتحركة في أفلاكها على أبدع نظام. ولفت العباد إلى رجوعها إليهم بعد المغيب وجريها في أفلاكها إلى أن تغيب عن العيون، يقال خنس الكوكب إذا رجع وكنس إذا استتر، وإنما أقسم بها تنوبها لعباده بشأنها من جهة ما فيها من الحركة الدالة على حدوثها وإمكانها، فإن الحركة ليست لها لذاتها، فلا بد لها إذا من واجب قهرها على ما أراد، وخص بالذكر خنوسها وكنوسها لأنهما أظهر عند الكل في إبعادها عما ادعاه لها الجاهلون من مرتبة الألوهية، وإقام الله تعالى ببعض خلقه هو ضرب من ضروب الاستدلال البديع الذي يسلكه القرآن كقوله {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا} [الذاريات: 1، 2] إلى قوله {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ} [الذاريات: 5] ولفت للانظار إلى ما في تلك المخلوقات من العبر والدلائل على الحدوث. وقال تعالى {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النور: 45] فهذا تصريح بأن الحركات والأجزاء من قسم الممكنات، والواجب يتعالى عنه، وكذلك قال {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [غافر: 64] وقال {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عمران: 6] وذلك صريح في حدوث الصور المادية وإمكانها، وما كان من باب الإمكان فالاتصاف به مستحيل على الرحمن.
وقد اتفقت عقول المحققين من الأولين والآخرين والسلف والخلف على أن ما اتصف بصغر أو كبر فهو حادث ممكن، وكذلك اتفقت على أن الصورة والاتصاف بالأجزاء من سمات الحدوث، ولم نر أحدا احترأ على إنكار ذلك وبالغ فيه سوى ابن تيمية، وهو قول إن دل على شيء فليس يدل إلا على إصابة صاحبه بهوى خرج به عن المعقول والمنقول. واستمع إلى ما نقله الحافظ البيهقي عن الإمام أحمد الذي ينسب إليه هذا الرجل ومن على شاكلته كل شنيعة، في الكتاب الذي ألفه في مناقب الإمام أحمد عن الإمام أبي الفضل التميمي، رئيس