فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 133

ولذلك لم تمن ببيانه وإنما عنيت ببيان أن الخالق له هو الله وحده، وأن الكافرين المعاندين يعدلون به غيره، أي يجعلونه مساويا له في بعض الصفات التي لا تنبغي إلا له عز وجل، ولذلك عقب الجملة السابقة بقوله سبحانه {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] وعلى هذا المنوال قوله تعالى لرسوله {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: 14] والولي هنا بمعنى المعبود، وقول الخليل عليه الصلاة والسلام {إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأنعام: 79] وهو منه عليه الصلاة والسلام إشارة واضحة إلى أن ما في هذه العوالم من الجسمية والتركب من الأجزاء واختلاف المقادير والأمكنة قاض عليها بأنها مفطورة مخلوقة عاجزة مستفيدة وجودها وتوابعه، وشاهد لفاطرها ومبدعها بالوحدانية في وجوب الوجود وكمال الجود على كل موجود، ومن هذا القبيل قول الكليم عليه السلام لفرعون والملأ حوله حين تعنت فقال {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} [الشعراء: 23، 24] وإنما عددناه متعنتا لأن في قوله وأخيه عليهما السلام إنا رسول رب العالمين الحجة الكافية والبرهان الشافي، فإن معناه إنا رسول رب هذه الأشياء التي جعلت فيها العلامات الظاهرة والسمات الواضحة، والدلالات البينة على نقصها وعجزها وحدوثها وفاقتها وشدة افتقارها في وجودها وما يتبعه إلى رب توحد في ملكوته وتقدس عن مشابهتها في سمات الحدوث ودلائل العجز، فلا يكون جسما ولا جسمانيا، ومن ذلك النحو قوله عليه السلام حين قال فرعون من ربكما يا موسى {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] وقول الرسل للمشركين (أفي الله شك فاطر السموات والأرض) أفلا يكون كل هذا وهو بعض ما في الكتاب العزيز في هذا الموضوع قرائن مانعة من حمل ما ورد في الكتاب والسنة من الوجه ونحوه والعلو والنزول وشبههما على المعاني الحسية الجسمانية، وصارفة له إلى ما يليق بذاته سبحانه مما يتعالى عن مشابهة الأجسام والجسمانيات، ومنادية بأعلى صوت على من حملها على الظواهر الحسية التي تتبادر للجاهلين من العامة بقلة تفقهه في كتاب الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت