فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 133

في ذاته واحد في صفاته، ولا خالق سواه ولا يستحق العبادة إلا هو، والكلمة الطيبة لا إله إلا الله تتضمن أقسام التوحيد كلها. وقد أحسن البيهقي بيان ذلك في كتابه الأسماء والصفات. أما وحدانيته في ذاته سبحانه فمعناها أن ذاته العلية لا تتركب من أجزاء مادية ولا عقلية، ولا من أصول غير مادية، فلا تحوم حول حماها المقادير والمساحات والأشكال ونحوها، وقد برهنه القرآن ببيان أن له سبحانه الغني الأكمل ووجوب الوجود. والتركب في الذات واتصافها بالمقدار ولوازمه يستلزمان الحاجة إلى الغير والافتقار إلى السوى، وينافيان وجوب الوجود، ويقتضيان الاتصاف بالإمكان، تعالى الله عن ذلك كله، فهو واجب الوجود، وهو الأول والآخر وهو الغني الحميد، وقد مر مفصلا في الفصل الأول من هذا المقصد وفيما قبله من المقدمة. وأما أنه واحد في الصفات فهو أنه سبحانه لا ثاني له في وجوب الوجود وما يستلزمه من الكمالات العليا اللائقة بمرتبة وجوده الأعلى: من الحياة والعلم والإرادة والقدرة وسائر ما مر من الصفات، وبينه بعض الأفاضل كما في شرح الداواني للعضدية، وحواشيه، بأن كون الشيء منفردا في نوع من الأنواع بحيث لا يوازيه فرد من أفراد ذلك النوع فيه، قاض بكونه أكمل في ذلك النوع بالنسبة إلى سائر الأفراد: المعدوم المطلق في العدم والموجود المطلق في الوجود، والعالم المطلق في العلم، وهكذا، فكون الشيء منفردا في أمر أكمل وأولى بذلك الشيء، فكون الواجب منفردا في مرتبة الوجود أو شيء من متعلقاتها، أكمل له من أن يشاركه غيره في تلك المرتبة، والواجب يجب أن يكون في أعلى مراتب الكمال لاستغنائه الغنى المطلق، فيجب أن يكون منفردا في جميع الكمالات، فيكون واحد كل نوع من الوجود ولوازمه من سائر الكمالات، فلا يكون له مشارك في وجوب الوجود ولوازمه، فهو واحد والكل دونه. اهـ. وكأن هذا البرهان الشريف مقتبس مما أشار إليه القرآن الكريم بقوله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] وقوله وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت