وبعد ــ فقد سبقتنا أساطين العلماء رضي الله عنهم فدونوا في المتشابهات الكتب الكثيرة القيمة بين مطول مفيد ومقل مجيد، فاملأ قلبك بتنزه الله تعالى عن هذه الظواهر الحسية الجسمية، ولا عليك إذا لم تصل إلى المعنى المعين فله أهل، فرد الأمر إلى أهله، ويكفيك هذا القدر، ولا تظن أن ما خفي عليك هو خفي على غيرك من أكابر أهل العلم، فقد قدمنا أنه على قدر الرسوخ في العلم يزول التشابه. وكان الحبر ابن عباس يقول أنا من الراسخين في العلم، يشير إلى أنه زال عنه التشابه وبان له الإحكام في كثير مما تشابه على غيره، فالمتشابهات كلها محكمات بالإضافة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى الحروف المقطعة في أوائل السور، وليس يخفى عليه من علم ذلك إلا ما لا يحتمله الممكن ولا يطيقه المخلوق، وإنما هو مختص بالحق جل شأنه من كنه الذات وحقائق الصفات على ما هي في علم الواجب جل جلاله، فإن ذلك إنما هو من خصائصه جل شأنه، وهذا الأمر مبين في المطولات. والخلاصة أن التشابه أمر نسبي والذي يتضح لنا والله أعلم بمراده بعد الاطلاع على أقوال أحبار المفسرين في قوله تعالى {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] إن الوقف على الجلالة والقصر فيها موجه إلى نفي العلم بالتأويل الحق إلى الذين في قلوبهم زيغ ثم ابتدأ الكلام عن الراسخين في العلم فهم يقولون آمنا به إلى آخر ما حكى الله عنهم، مستبصرين في إيمانهم قد زال عنهم من التشابه على نسبة رسوخهم وسعة اطلاعهم وما أوتوا من النور الإلهي المقتبس من بركة المتابعة للحضرة المصطفوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وما منهم من أحد إلا له في العلم مقام معلوم ولا يبلغ الحد الأقصى إلا سيد المصطفين الاخيار وفوق مقامه الأعلى للرب جل جلاله من العلم ما لا يليق إلا به عز وجل، فرحم الله امرأ عرف قدره ولم يتعد طوره، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يطهر قلوبنا من الزيغ وأن يثبتنا على الجادة حتى نلقاه على صراط مستقيم بجاه نبيه الأمين عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام.