فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 133

كل ذي قدر فهو مخلوق، إذ الخلق يدور في اللغة على معنى التقدير أو الإيجاد على قدر معين، ولذلك يقول تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] ومعناه أن كل شيء فله قدر مخصوص كما ترون، وذو القدر المخصوص ينادي على نفسه بأنه حادث ممكن مخلوق لا بد له من خالق فأنا خالقه لا خالق له سواي، فالقرآن ينادى بأن الجسمية، ولوازمها هي من دلائل الحدوث ولوازم الإمكان، وهذا هو بعينه ما قرره علماء المعقول، وفضلاء أهل علم الكلام، بل كل ذي قدر ولو صغر جدا بحيث لا يبلغ أن يكون جسما، فهو داخل فيما حكمت عليه الآية أنه مخلوق للقادر الحكيم. ولم يكتف القرآن حتى صرح بهذه اللوازم تفصيلا لمن تدبره مستدلا بها لعباده فقال: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا} [الرحمن: 7] {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا} [الرحمن: 10] فهذا بين لك أن الارتفاع والانضاع الحسيين كما يشاهد في السماء والأرض هما من صفات الحادثات الممكنات لا بدلهما من فاعل وأنه فاعل ذلك فهو الرافع الخافض، وما هو من دلائل الحدوث يستحيل أن يكون وصفا للواجب المتعالي. وكذلك قال سبحانه {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ} [الرعد: 2] {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ} [الرعد: 3] أي خفضها وجعلها بحيث تصلح للمشي في مناكبها قال {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [الرعد: 3] ثم ذكر انقسام الأرض إلى أجزاء مختلفة واتصاف ثمار الجنات والزروع بتفاضل بعضها على بعض في الأكل، وأنه هو فاعل ذلك ومجزئه ومقسمه، كما أشار في آية أخرى إلى أنه مجزئ جسم الإنسان إلى أجزاء، وجاعل لكل منها وظيفة، فقال {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ} [البلد: 8، 9] واحتج على الإنسان بوجوده على القدر المخصوص وتجزئته إلى الأجزاء المسماة المعدولة عما يجوز عليها من الصفات إلى ما هي عليه من الحسن والنظام وتركبه. فقال: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 6 - 8] فالعقول تفهم ببداهتها أن الانقسام إلى الأجزاء لا سيما إذا كانت مسواة، والتركب من الجوارح والأعضاء لا بد له من موجد مقسم مركب، ولذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت