فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 133

على أنه لم يرد ظاهره، وإنما معناه أنه سبحانه لما انفرد بإيجاد الأشياء كلها نوحد في التصرف فيها، فكما أنه لا شريك له في الخلق لا شريك له في الملك، ولذلك ختم بعض هذه الآيات بقوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] بتقديم الخبر وهو (له) على المبتدأ وهو يدل على الحصر. فالخلق ناظر إلى انفراده بخلق السموات والأرض. والأمر عائد إلى توحده يعلو الملك. وقد يذكر في غير هذه الآيات خله لكل شيء ويردفه بما يؤدي هذا المعنى بكناية أخرى غير كناية الاستواء على العرش، كقوله {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الزمر: 62، 63] وقوله {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام: 102] أي المدبر للكل القائم عنهم بجلب النفع إليهم ودفع الضر عنهم وقوله: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطلاق: 12] فانظر ماذا قال بعدها قال: (يتنزل الأمر بينهن) وهذه من روادف علو الملك وارتفاع السلكان. وعادة القرآن تصريف الآيات كما قال سبحانه {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ} [الأنعام: 105] وهو إدارة المعنى الواحد بطرق متنوعة وأساليب مختلفة رائعة. ومن زعم أن القرآن يقول بالعلو الحسمي في حق الله فما عرف الله ولا عرف كتابه، وقد سمعت ما قال شيخ المفسرين الطبري في تفسير اسمه تعالى (العلي) وأنت لو أنعمت في مواقع هذا الاسم الكريم من كتاب الله تعالى لم تجد له إلا ما قال الحبر الطبري وهو قول محققي علماء الملة سلفا وخلفا، فانظر فيما أتلو عليك. قوله تعالى في خاتمة آية الكرسي (وهو العلي) بعد ما مر من وصفه بالوحدانية والحياة والقيومية، وأن كل شيء فهو له ملكا وملكا، وأنه أحاط بكل شيء علما. وأن السموات والأرض لا يثقل عليه حفظهما ولا يشق عليه. ثم عقب بعد هذا كله بقصر العلو عليه سبحانه. فبربك هل يفهم منه ذو علم إلا علو الاقتدار، وسمو الكمال الذي لا يحد له مقدار كما أشار إليه الشيخ رضي الله عنه؟ وقوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} [الأعلى: 1، 2] فهل هذا العلو الأكمل الواقع بين تسبيح اسمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت