فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 133

عليه أجلة الفقهاء لهذا الشأن الأعلى. والفقه فقهان فقه أكبر وهو العلم المتعلق بما ينبغي لله وما لا ينبغي له، وما يتصل بذلك وهو المسمى في عرف المتأخرين بعلم الكلام، وفقه كبير وهو العلم بالأحكام الشرعية العملية. ومن الغلط العظيم الذي وقع فيه الكثير من الناس، فاضلهم ومفضولهم، أن يؤخذ عن الرجل ما لا يحسنه، لأن له الأمامة في فن آخر أحسنه، وكثيرا ما يكون الرجل إماما في علم الأصول وهو متوسط أو دون المتوسط في علم الفروع، وبالعكس، وإماما في الحفظ ونقد الرجال ومتون الأحاديث والعلل، وهو في غير ذلك نازل كل النزول، حتى إنك لتعده فيه من العامة، وأنت إذا أحكمت الفكر واطلعت على طبقات الرجال وعرفت أحوال أهلها، رأيت لما قلنا شواهد كثيرة لا تدع مدخلا للشك إلى نفسك في ذلك، ولو شئنا لتحدثنا إليك عن كثير من أهل العلم كان لهم التقدم الفائق في الفن والفنين والأكثر، فإذا تكلموا فيما أحسنوا رأيت منهم أئمة سادة، ونقدة قادة، وإذا نطقوا في غيره شهدت غبا تندهش له، وعامية لا ينقضي منها عجبك، بيد أن هذه الرسالة عجالة نريد فيها الاختصار بقدر الاستطاعة، ومن هنا تعلم السر فيما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم (( أنزلوا الناس منازلهم ) )وقد احتج به الإمام مسلم ابن الحجاج المتوفى سنة إحدى وستين ومائتين في مقدمة صحيحه على من يروى عن الضعفاء كأنه يسوى بينهم وبين الثقات، وأصاب رضي الله عنه، فمن كان إماما في حفظ الحديث والخبرة بالأسانيد والعلل فليؤخذ عنه ما هو مبرز فيه من الحكم بصحة الحديث أو حسنه أو ضعفه أو وضعه، أما بقية علوم الحديث دراية كاللغة والصرف والنحو وما إلى ذلك من علوم العربية والفقه بقسميه فلا يؤخذ عنه، فربما كان عاميا أو قريبا منه في بعض هذه الفنون أو كلها، بل ربما ادعى لنفسه بغير حق التبريز والأمامة في غير ما هو مبرز فيه، فأفتى وألف، فلا يغرنك منه ذلك، وإذا أنت أردت ميزانا صادقا تعرف به حقيقة دعوى الرجل فدونك هذا الميزان: ترجع إلى أهل الفن الذي تكلم فيه فتنظر ما قدر الرجل عندهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت