فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 133

فبشهادتهم تأخذ، فهم الإخصائيون بالفن، والذين يتميز لديهم المدعى من الصادق، ويستحيل في العادة أن يجمع أهل الفن على القدح في رجل حسدا وبغيا، هذا ولا يسقط الرجل عن إمامته فيما فاق فيه تبعيته لغيره فيما لم يحسن، ورد قوله فيه إذا هو افتأت على الكلام فيما ليس له بأهل. وتاريخ الجهابذة حافل بأخذ كل فن عن إمامه، وأهل الاتقان له، هذا تاج الدين السبكي كان الذهبي من شيوخه في الحديث، وشهد له بالحفظ، ولم يكن يتبعه في آرائه الخاصة المنحرفة، وشهد له وعليه، فقال بعد ما أثنى على حفظه (( والحق أن شيخنا كان قليل الخبرة بمدلولات الألفاظ ) )ومثل لذلك بما لا نطيل به. وهذا محمد بن إسحاق بن خزيمة المتوفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، له الامامة في الحفظ والعلم بالعلل في المتون والأسانيد وفنون سوى علم الكلام، قال فيه الأستاذ الأجل أبو سهل الصعلوكي المجمع على إمامته في الحديث وأصول الدين وفروعه، المتوفى سنة تسع وستين وثلاثمائة، وهو أحد الرواة عنه ــ حين ألف كتابه الذي سماه التوحيد ــ: إن شيخنا تكلم في ما لا يعنيه. وطعنه الإمام فخر الدين الرازي المتوفى سنة خمس وستمائة في تفسيره بما لعلنا ننقله لك في موضع آخر وإنما أتى هذا الامام المحدث من قبل دخوله فيما لا يحسنه. وفي الأثر (( رحم الله امرأ عرف قدره ولم يتعد طوره ) )هذا هو دأب الذين يريدون أن يحيوا سنة نبيهم ويأتوا البيوت من أبوابها، وبفضل الله تعالى ويمن رسوله الكريم توفرت الجماعات المبرزة في الفنون المتعلقة بالدين مباشرة أو بواسطة، واختلفت الدواعي فكثر الاخصائيون حين امتد رواق الإسلام على المشارق والمغارب، حتى تمحصت الحقائق، وصارت العلوم الاعتقادية والخلقية والعملية لبا بلا قشر، وزبدا لا يحتاج إلى مخض ورجعت سهام مكايد أعداء الإسلام في نحورهم، وصار من أجلي الجليات أن حامل لواء السنة في العقائد الإسلامية أبو منصور الماتريدي المتوفى سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة، وأبو الحسن الأشعري المتوفى سنة بضع وعشرين وثلاثمائة وشيعتهما، وفي الفقه الشرعي الأئمة الأربعة، والمبرزون من أتباعهم، وفي علم أحوال القلوب الجنيد المتوفى سنة بضع وتسعين ومائتين، وأبو القاسم القشيري المتوفى سنة خمس وستين وأربعمائة، ومن على شاكلتهما. وقد كثر من هؤلاء الافاضل متقدميهم ومتأخريهم المصنفات بين مطول ومختصر وبين ذلك. وكان الناس بخير أيام كانوا يرجعون إلى الاقتباس من هؤلاء النجوم، والاعتراف من أنهار علومهم العذبة الجارية إليهم من بحار الكتاب والسنة.

أما وقد ديست هذه الرسوم وانتهكت تلك الحرم، واجتمع في كثير من أهل هذا العصر المهلكات الثلاث: الشح المطاع، والهوى المتبع، وإعجاب المرء برأيه، فقد أصبح من الواجب الأكيد، واللازم المحتم، أن أقدم لك أيها الأخ نصيحة تطرد عنك إن شاء الله هذه الظلم المنتشرة، وتزيح عن مشام روحك دخان هذه البدع التي صارت بعد خمولها مشتهرة، وهي نسأل الله السلامة منها ــ كثيرة جدا، ليس في وسع هذا المختصر استقصاؤها، فسأذكر لك أشدها خطرا، وأعمقها في إفساد القلوب وسد أبواب الرحمة الآلهية أثرا، وأكثرها التباسا على من لم يمارس علوم الكتاب والسنة، فان دعاتها ينادون الناس إليها باسم الكتاب والسنة فيما يزعمون، وأنها طريق السلف الصالح، ولذلك تسمعهم يلقبون أنفسهم بأنهم السنيون والسلفيون، وإني بادئ بما هو الأهم من ذلك، وهو ما تعلق بذات الله تعالى وصفاته، فان هؤلاء المبتدعة وصفوا الله تعالى بصفات خلقه، فجوزوا عليه الجلوس والنزول الحسيين، والأجزاء كالوجه والعين واليد والرجل الحسيات، ونسبوا إليه سبحانه المكان والجهة، تمسكا بآيات من الكتاب يقرؤن كملها يحرفون الكلم عن مواضعه، وتمسحا بظواهر أحاديث كثير منها مما لا يحتج به، لما بينه أهل النقد من عالمها، والصحيح منها أجل وأعلا من أن تحوم حول رفيع معانيه هذه الافهام العامية الساقطة، وماذا نصنع وقد امتلأت هذه النفوس عجبا، وسالت ألسنتها زراية على الأولين والآخرين، من أئمة هذه الأمة وأكابرها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت