ما شرعه الله ورسوله بين الخلق من الحقوق التي هي صلاح وخير وإحسان وعدل وقسط وترك للظلم. وذلك كالحقوق التي أوجبها وشرعها للوالدين والأولاد والأقارب والجيران والأصحاب والمعاملين , ولكل واحد من الزوجين على الآخر. وكلها حقوق ضروريات وكماليات , تستحسنها الفطر والعقول الزاكية , وتتم بها المخالطة , وتتبادل فيها المصالح والمنافع , بحسب حال صاحب الحق ومرتبته. وكلما تفكرت فيها رأيت فيها من الخير وزوال الشر , ووجدت فيها من المنافع العامة والخاصة والألفة وتمام العشرة ما يشهدك أن هذه الشريعة كفيلة بسعادة الدارين. وترى فيها هذه الحقوق تجري مع الزمان والمكان والأحوال والعرف , وتراها محصلة للمصالح , حاصلا فيها التعاون التام على أمور الدين والدنيا جالبة للخواطر , مزيلة للبغضاء والشحناء. وهذه الجمل تعرف بالاستقراء والتتبع لها في مصادرها ومواردها.
ما جاءت به الشريعة من انتقال المال والتركات بعد الموت , وكيفية توزيع المال على الورثة. وقد أشار تعالى إلى حكمة ذلك بقوله: {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا} [سورة النساء: الآية 11] فوضعها الله بنفسه بحسب ما يعلمه من قرب النفع وما يحب العبد عادة أن يصل إليه ماله , وما هو أولى ببره وفضله , مرتبا ذلك ترتيبا تشهد العقول الصحيحة بحسنه , وأنه لو وكل الأمر إلى آراء الناس وأهوائهم وإراداتهم لحصل بسبب ذلك من الخلل والاختلال وزوال الانتظام وسوء الاختيار ما يشبه الفوضى. وجعل الشارع للعبد أن يوصي في جهات البر والتقوى بشيء من ماله فيما ينفعه لآخرته , وقيد ذلك بالثلث فأقل لغير وارث , لئلا تصير الأمور التي جعلها الله قياما للناس ملعبة يتلاعب بها قاصرو العقول والديانة عند انتقالهم من الدنيا. أما حالهم في حالة صحة الأجسام والعقول , فما يخشونه من الفقر والإفلاس مانع لهم من صرفه فيما يضرهم غالبا.