أن الشرع جعل العلم والدين والولاية والحكم متآزرات متعاضدات. فالعلم والدين يقوم الولايات وتنبني عليه السلطة والأحكام , والولايات كلها مقيدة بالعلم والدين , الذي هو الحكمة , وهو الصراط المستقيم , وهو الصلاح والفلاح والنجاح , فحيث كان الدين والسلطة مقترنين متساعدين فإن الأمور تصلح والأحوال تستقيم , وحيث فصل أحدهما عن الآخر اختل النظام وفقد الصلاح والإصلاح ووقعت الفرقة وتباعدت القلوب وأخذ أمر الناس في الانحطاط. يؤيد هذا: أن العلوم مهما اتسعت والمعارف مهما تنوعت والاختراعات مهما عظمت وكثرت , فإنه لم يرد منها شيء ينافي ما دل عليه القرآن , ولا يناقض ما جاءت به الشريعة. فالشرع لا يأتي بما تحيله العقول وإنما يأتي بما تشهد العقول الصحيحة بحسنه أو بما لا يهتدي العقل إلى معرفته جملة أو تفصيلا. وهذا ينبغي أن يكون مثالا آخر. وهو:
أن الشرع لا يأتي بما تحيله العقول ولا بما ينقضه العلم الصحيح. وهذا من أكبر الأدلة على أن ما عند الله محكم ثابت صالح لكل زمان ومكان. وهذه الجمل المختصرة تعرف على وجه التفصيل بالتتبع والاستقراء لجميع الحوادث الكونية وحوادث علوم الاجتماع وتطبيق ذلك إذا كان من الحقائق الصحيحة على ما جاء به الشرع , فبذلك يعرف أنه تبيان لكل شيء , وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.