{ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة} [1] .
ومؤداها: إن إفلات مجرم خير من معاقبة برئ .. فالمجرم قد يتوب، وإن أصر يقع - لا محالة - في يد السلطة، ولكن معاقبة البريء لا يزول أثرها قط، وقد تدفع إنسانا إلى صف المجرمين من لم يكن ليخطر بباله يومًا أن يكون منهم!!، بسبب إيقاع عقوبةٍ ما به ظلمًا.
وكم سببت هذه الحالة من مآسي وذيول وتفرعات، انجرت آثارها إلى أجيال، فلم يتزوج بنات [المظلوم] أحد من الناس!!، وقد تطلَّق بعضهن!!، ويندفع المتهوم إلى ارتكاب الفعل حقيقة .. فتتأصل الأحقاد، ويرثها الأبناء عن الآباء وهلم جرا!! ..
فلو دفعت العقوبة لأدنى شبهة .. فلا ضير في ذلك، لكن أضرار الحالة المعكوسة هو .. ما علمنا.
وكل هذا فيما كان حقا خالصا لله.
المطلب الثاني
جواز تلقين المتهم الرجوع عن إقراره
ففي نطاق الحق المتقدم، فإن ذات الفكرة تستقيم. لتحقيق عين الهدف، بل هو ما طبقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان يقول - لماعز - حين أقر بالزنا:
{لعلك قبلت .. لعلك لمست .. لعلك .. لعلك} [2] !!.
ولما أصر [ماعز] على إقراره، لم يجد مناصًا عليه الصلاة والسلام .. من إقامة الحد عليه، وكان يُحبُّ - صلى الله عليه وسلم - ألاَّ يفعل!!.
فبالإضافة إلى ما قدمناه من حكم تلقين الرجوع عن الإقرار، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهدف إلى حكمه أخرى، وفلسفة تربوية عالية، ألا وهي: عدم إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، بعدم استسهال هذا الفعل أو ذاك، أو مادام القائمون به كثر .. على طريقة: [حشرٌ مع الناس عيد] - كما يقال -، بل سعى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - إلى إبقاء: الوجل، والخجل، والخوف، والحياء لدى الآخرين .. كحوائل دون تكرار شبيه الفعل من آخرين. ... فهل ظهر لك المراد؟؟.
(1) الترمذي / كتاب الحدود - الحديث 1344.
(2) البخاري / الحدود - الحديث 6324.