الباب الثاني
في
طرق التحصين في الشريعة الإسلامية
ويتضمن هذا المبحث الفروع الآتية ..
الفرع الأول
تمازج القاعدتين الخلقية - أو الدينية -
مع القاعدة القانونية، وخلق الوازع الذاتي
مما ترجمه أبناء المسلمين الدارسون في بلاد الفرنجة حرفيًا عن كتب هؤلاء، ومنذ زمن مبكر - بعد عودة بعوثهم من الغرب - هو .. أن لا علاقة للقاعدة القانونية بالقاعدة الخلقية أو القاعدة الدينية. مستعملين [أو] التسوية، لان الدين عندهم هو الأخلاق، والأخلاق هي الدين !!.
لقد أخذ هؤلاء بتدريس هذه المقولة في دروس المدخل لدراسة القانون في كليات الحقوق في البلاد الإسلامية، مسببين بذلك جدلًا مستمرًا بين الطلاب ومدرسيهم، إذ - غالبا - ما يختلط على الطلاب كون الشريعة الإسلامية [دين] ، ومع هذا فهي تنظم العلائق القانونية، فضلًا عن أمور العقيدة والأخلاق، وأن التشريعات العراقية النافذة اعتبرتها من مصادر القانون، فأنَّى يستقيم هذا مع ذاك؟.
الواقع أن هذه الترجمات، ومحاولة ادعاء [العصرنة] ، ومجاراة الغربيين في مقولاتهم، جّر علينا ويلات، لا يعرف المسبب لها خطورة ما يفعل، والنتائج المترتبة على ما يقول، وعلى ما يتبنى ويشيع من أفكار، ويريد لطلابه أن يؤمنوا بذلك تبعًا له، وهو ذاهل عن تلك المخاطر، وقد نرى أحدهم ينتقد أحوالًا في المجتمع لا يرتضيها، وقد يكون نقده بعد أن يغلب طبعُه على تطبعه، وبعد رجوعه إلى قيم مجتمعه بعد غربة طويلة، وما درى أن ما أستوجب نقده من أحوال، كان هو أحد المسببين له يومًا ما.
إن الغربيين في كلامهم منطقيون منسجمون مع أنفسهم، لأن [الدين] الذي يقصدونه عند الإطلاق، هو دينهم - وهو المتبادر إلى الفهم -، ولمَّا كان دينهم قد جاء خُلوًا من القواعد القانونية والتنظيمية، فقد حصل ذلك الانفصام الذي سيبقى ما تعاقب الملوان وكرّ الجديدان [1] ، ويكون مصدر القاعدة القانونية عندهم بعيدا كل البعد عن القاعدتين: الخلقية والدينية!.
أما إذا أطلق المتكلم الكلام في مثل بلادنا عن الدين، فلا ينصرف القول إلًا إلى الدين المعهود في بلد المتكلم، وهو دين الأكثرية .. أو الدين الغالب، وذلك هو الإسلام. فيحصل التناقض المعيب، البعيد عن الدقة العلمية من جهة، والمؤدي إلى نتائج خطيرة من جهة أخرى، فالناقل من غير تمحيص، واقعٌ - لا محالة - في حيص بيص، إذ سيحير بين المترجَم، وبين ما يعرفه عن دينه .. بل وما يقوم بتدريسه في درسٍ آخر مثلًا!!، وهذه هي الازدواجية التي أرادها الغربيون لنا، ونجحوا مع بعضنا فيها!!، لكن منْ نوَّر الله - عز وجل - بصيرته لم يقع في حبائلهم - وهم كثيرٌ والحمد لله -.
(1) الملوان والجديدان .. هما - الليل والنهار.