فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 58

فالأخير أبعد مدىً، وأكثر جدوىً، وأضمن نتائج، وهو يقتلع جذور [النفس الأمارة بالسوء] ، وهذا يتفاوت عند الناس بحسب تمكن ذلك الوازع منها.

ولما كان الناس متفاوتين في تطويع نفوسهم لمثل هذه الدواعي، فقد جعل لكل نفسٍ طريقًا آخر غير الطريق المخصص لغيرها.

فإنَّ المؤمنين بالله متفاوتون في سبب إيمانهم ..

فمنهم / من عرف الله بذاته لأنه [معروف] لديه، فهذا هو [العارف] . ومنهم / من عرفه بآثاره، وهؤلاء هم [سواد الناس] .

وبين الاثنين مسافة بعيدة .. يقول العلامة عبد الرحيم المولوي الكردي في منظومته [الفضيلة] [1] :

ممن به لمن عليه تستدل ... مسافةٌ لا تستظل لا تستزل

وهكذا الحال في خلق النفس الخيِّرة:

فبعضها / وهو العالي منها، يكفيه قناعته بتوجيه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ليجعل من نفسه رقيبا على ذات نفسه، وهذا مبتغانا، وهو أعلى درجات التحصين.

وبعضها / يحتاج إلى مزيد معالجة، وكثير تنبيه وتطبيب، وهذه سنَّ لها الشارع الحكيم ما يناسبها، ونبحثه فيما يأتي:

المطلب الأول

البدء بتشريع العقوبة الأعلى للفعل الجرمي ..

ثم النزول بها إلى الأخف

وهذا ما يجعل العقوبة الشديدة مستحضرةً في ذهن المقبل على الفعل المحظور، فيردعه خوفه من شدة العقوبة. فحين يقول الله جل وعلا:

{السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًًا من الله} [2] .

يراجع العازم على أخذ مال الغير نفسه ألف مرة ومرة قبل الإقدام على ارتكاب فعلته، وإن كانت شروط إيقاع العقوبة به عسيرة، وقد يصعب تحقيقها، وبالتالي عدم توقيع العقوبة ذاتها - غالبًا - لـ:

1.صعوبة شروط إيقاع العقوبة من جهة.

(1) شرحها شيخنا الإمام العلاَّمة الكبير الشيخ عبد الكريم محمد المدرس بمدرسة الشيخ عبد القادر الكيلاني - رضي الله عنه -، والمعروف بـ [عبد الكريم بيارة] وقد طبع الشرح - وهو شرحٌ فخمٌ - في بغداد.

(2) المائدة / 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت