إن المادة كلها تدور حول الملمس الأملس. فأمرد تعني أملس ؛ أي أن منابت الشعر فيه ناعمة. وصرح ممرد كصرح بلقيس أي صرح مصقول صقلاً ناعما لدرجة أنها اشتبهت في أنه ماء ، ولذلك كشفت عن ساقيها خوفاً أن يبتل ثوبها. والشجرة المرداء هي التي لا يمكن الصعود عليها من فرط نعومة ساقها تماماً كالنخلة فإنه لا تبقى عليها الفروع ، ولذلك يدقون في ساق هذه النخلة بعض المسامير الكبيرة حتى يصعدوا عليها.
والشيطان المريد هو المتمرد الذي لا تستطيع الإمساك به. إذن. فـ"مارد"و"مريد"و"ممرد"و"مرداء"و"أمرد"، كلها من نعومة الملمس.
{وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً} .
وعندما يحاول العصاة الإمساك بالشيطان في الآخرة يقول لهم:
{وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: 22]
وهو بذلك يتملص من الذين اتبعوه ؛ لأنه لم يكن يملك قوة إقناع أو قوة قهر ، فقط نادى بعضاً من الخلق فزاغت أبصارهم واتبعوه من فرط غبائهم.
والشيطان موصوف بأن الله طرده من رحمته. فالحق يقول:
{لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً}
لماذا هذا اللعن ؟ لقد أذنب الشيطان وعصى الله. وآدم أذنب أيضا وعصى الله.
فلماذا لعن الله الشيطان ، ولماذا عفا الله عن آدم ؟ نجد الإجابة في القرآن:
{فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37]
ونعرف بهذا القول: أنّ هناك فرقاً بين أن يرد المخلوق على الله حكماً ، وفعل المعصية للغفلة.
فحين أمر الحق إبليس بالسجود لآدم قال إبليس:
{قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12]
وهذا رد للحكم على الله ، ويختلف هذا القول عن قول آدم وحواء ، قالا:
{رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}