فهرس الكتاب
وهذه التقاليد الشائهة البدائية ، هي التي أخذ الإسلام يبدلها ، وينشئ مكانها تقاليد إنسانية راقية لا تعد - كما قلنا - مجرد وثبة ، أو نهضة ، في المجتمع العربي. إنما هي في حقيقتها نشأة أخرى ، وميلاد جديد ، وحقيقة أخرى لهذه الأمة غير حقيقتها الجاهلية!
والمهم الذي يجب أن نسجله: هو أن هذه النشأة الجديدة ، لم تكن تطوراً مسبوقاً بأية خطوات تمهيدية له ؛ أو أنه انبثق من واقع مادي تغير فجأة في حياة هذا الشعب!
فالنقلة من إقامة حقوق الإرث والملك على أساس حق المحارب إلى إقامتها على أساس الحق الإنساني ، وإعطاء الطفل واليتيمة والمرأة حقوقهم بصفتهم الإنسانية ، لا بصفتهم محاربين! هذه النقلة لم تنشأ لأن المجتمع قد انتقل إلى أوضاع مستقرة لا قيمة فيها للمحاربين. ومن ثم قضى على الحقوق المكتسبة للمحاربين ، لأنه لم يعد في حاجة إلى تمييزهم!
كلا! فقد كان للمحاربين في العهد الجديد قيمتهم كلها ؛ وكانت الحاجة إليهم ماسة! ولكن كان هناك.. الإسلام.. كان هناك هذا الميلاد الجديد للإنسان. الميلاد الذي انبثق من خلال كتاب ؛ ومن خلال منهج ؛ فأقام مجتمعاً جديداً وليداً. على نفس الأرض.
وفي ذات الظروف. وبدون حدوث انقلاب لا في الإنتاج وأدواته! ولا في المادة وخواصها! وإنما مجرد انقلاب في التصور هو الذي انبثق منه الميلاد الجديد.
وحقيقة أن المنهج القرآني قد كافح. وكافح طويلاً. لطمس ومحو معالم الجاهلية في النفوس والأوضاع ، وتخطيط وتثبيت المعالم الإسلامية في النفوس والأوضاع.. وحقيقة كذلك أن رواسب الجاهلية ظلت تقاوم ؛ وظلت تعاود الظهور في بعض الحالات الفردية ؛ أو تحاول أن تعبر عن نفسها في صور شتى..