فهرس الكتاب
قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} يعني بعيسى {قَبْلَ مَوْتِهِ} يعنى: قبل موت عيسى - يُوَجِّه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية، دين إبراهيم - عليه السلام -، وعن ابن عباس: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قال: قبل موت عيسى ابن مريم.
وكذا قال أبو مالك والحسن وابن زيد وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد، وهذا القول هو الحق، كما سنبينه بعدُ بالدليل القاطع، إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان.
وعن الحسن أيضًا قال: (قبل موت عيسى، إن الله رفع إليه عيسى(إليه) وهو باعثه قبل يوم القيامة مقامًا يؤمن به البر والفاجر).
ثانيًا - الأدلة على بطلان عقيدة الفداء:
قال الله تعالى على لسان المسيح - عليه السلام: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) } (المائدة: 118)
فهذا يبين أن عيسى - عليه السلام - لم يصلب من أجل أمته، فلو كان ذلك كذلك لشفع لأمته فإن قوله: {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، يبين تبرؤه منهم، إذ لم يقل: فإني قد صلبت لأجلهم.
قال الله تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ
كَانَ ذَا قُرْبَى (فاطر: 18) .
أي لا تُعَذَّبُ نفسٌ بذنب نفسٍ أخرى، ولو كانت من أقرب الأقربين.
قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (فصلت: 46) ، وقال الله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة: 37) .
فإذا كان الله تعالى قد تاب على آدم وزوجه - عليهما السلام - فما سبب صلب المسيح إذن؟!