والذي يهدى إليه التدبر في الآيات المتعرضة لقصصه عليه السلام أنه عليه السلام في أول ما عاشر قومه بدأ بشأن رجل يذكر القرآن أنه كان أباه آزر ، وقد أصر عليه ان يرفض الأصنام ويتبعه في دين التوحيد فيهديه حتى طرده أبوه عن نفسه وأمره ان يهجره قال تعالى: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا ، إذ قال لأبيه يا ابت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا ، يا أبت إنى قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا - إلى أن قال - قال أ راغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا) (مريم: 46) فسلم عليه إبراهيم ووعده أن يستغفر له ، ولعله كان طمعا منه في إيمانه وتطميعا له في السعادة والهدى قال تعالى: (قال سلام عليك سأستغفر لك ربى إنه كان بي حفيا ، واعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربى عسى أن لا أكون بدعاء ربى شقيا) (مريم: 48) والآية الثانية احسن قرينة على أنه عليه السلام إنما وعده أن يستغفر له في الدنيا لا ان يشفع له يوم القيامة وإن بقى كافرا أو بشرط ان لا يعلم بكفره .
ثم حكى الله سبحانه إنجازه عليه السلام لوعده هذا واستغفاره لأبيه في قوله: (رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لابي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) (الشعراء: 89) وقوله: (إنه كان من الضالين) يدل على أنه عليه السلام إنما دعا بهذا الدعاء لأبيه بعد موته أو بعد مفارقته أياه وهجره له لمكان قوله: (كان) وذيل كلامه المحكى في الآيات يدل على أنه كان صورة دعاء أتى بها للخروج عن عهدة ما وعده وتعهد له فإنه عليه السلام يقول: اغفر لهذا الضال يوم القيامة ثم يصف يوم القيامة بأنه لا ينفع فيه شيء إلا القلب السليم .