والمعنى: إن في ذلكم الذي أمرتم بالنظر إليه لدلائل عظيمة على وجود القادر الحكيم ووحدانيته لمن هو مؤمن بالفعل، ولمن هو مستعد للإيمان. أما غيرهم .. فإن نظرهم لا يتجاوز الظواهر، ولا يعدوها إلى ما تدل عليه من وجود الخالق ووحدانيته التي إليها ينتهي النظام، فهم لا يغوصون ليصلوا إلى أسرار عالم النبات، ولا يبحثون عن كون انتقاله من حال إلى حال على ذلك النمط البديع دالًّا على كمال الحكمة، وعلى أن وحدة النظام في الأشياء المختلفة لا يمكن أن تصدر من إرادات متعددة.
100 - {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ} هذا الكلام يتضمن ذكر نوع آخر من جهالاتهم وضلالتهم؛ أي: وجعل هؤلاء المشركون الجن شركاء لله سبحانه وتعالى {وَخَلَقَهُمْ} ؛ أي: والحال أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الجن، أو قد خلق الشركاء المجعولين، كما خلق غيرهم من العالمين، فنسبة الجميع إليه واحدة، وامتياز بعض المخلوقين عن بعض في صفاته وخصائصه لا يخرجه عن كونه مخلوقًا، ولا يصل به إلى درجة أن يكون إلهًا وربًّا.
وفي المراد من الجن هنا أقوال، فقال قتادة: إنهم الملائكة، فقد عبدوهم، وقال الحسن: إنهم الشياطين، فقد أطاعوهم في أمور الشرك والمعاصي. وقيل: إبليس، فقد عبده أقوام وسموه ربًّا، ومنهم من سماه إله الشر والظلمة، وخص الباري سبحانه بألوهية الخير والنور.
وروي عن ابن عباس أنه قال: إنها نزلت في الزنادقة الذين يقولون: إن الله تعالى خالق الناس والدواب والأنعام والحيوان، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور، رجح الرازي هذا الرأي قال: إن المراد من الزنادقة: المجوس الذين قالوا: إن كل خير في العالم، فهو من يزدان - النور - وكل شر فهو من أهرمن؛ أي: إبليس. وقرأ الجمهور: بنصب {الْجِنَّ} ، وأعربه الزمخشري وابن عطية مفعولاً أول لـ {جَعَلُوا} ، وجعلوا بمعنى: صيروا، و {شُرَكَاءَ} : مفعول ثانٍ، و {لِلَّهِ} متعلق بـ {شُرَكَاءَ} .