فما أعظم نعمة الله على العبد في الحفظ والنسيان مع تضادهما: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) } [النحل: 53] .
والله على كل شيء قدير، يفعل ما يشاء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، يفعل ما يشاء بقدرته وهو الصمد:
خلق آدم بلا أب ولا أم .. وخلق زوجه من أب بلا أم .. وخلق عيسى من أم بلا أب .. وخلقنا من أب وأم.
فخلق آدم من تراب، وخلق زوجه من أحد أضلاعه، وخلق عيسى من نفخة جبريل في درع مريم، وخلق البشر من اجتماع ماء الرجل والمرأة.
فسبحان من خلق من هذا الماء بشراً سوياً يقوم ويقعد .. ويأكل ويشرب .. ويفرح ويغضب .. ويصلي ويتعبد .. ويعدل ويظلم .. ويتكلم ويسكت .. ويرحم ويبطش.
وسبحان من جعل من نسله الذكر والأنثى .. والأسود والأبيض .. والطويل والقصير .. والمؤمن والكافر .. والعاقل والمجنون .. والعرب والعجم.
وسبحان من هيأه للإيمان والكفر .. والطاعات والمعاصي .. والخير والشر .. والإحسان والإساءة .. والهدى والضلالة.
وسبحان من ملأ الأرض من نسله.
فهذا يولد .. وهذا يموت .. حتى يأكلوا أرزاقهم .. ويستكملوا آجالهم .. والله يوالي عليهم نعمه .. ويرسل إليهم رسله .. وهم يعملون بما يسر الله لهم .. ويغدون ويروحون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فما أعظم خلق هذه النفوس، وما أعجب ما فيها من الآيات والعبر والشواهد
والحكم، وما أدلها على قدرة بارئها وفاطرها: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) } [الذاريات: 20، 21] .
وهذا الإنسان مركب من ستة أشياء وهي:
بدنه الجثماني .. ونفسه الشهوانية .. ونفسه الغضبية .. ونفسه الشيطانية .. وروحه الملكية .. وجوهره العقلي.
والذي يملك السمع والأبصار هو الله، فهو خالقها وحده، وهو الذي يهبها القدرة على أداء وظائفها أو يحرمها، ويعافيها أو يمرضها، ويسمعها ويريها ما تحب أو ما تكره.
وفي تركيب العين وأعصابها، وكيفية إدراكها للمرئيات.
وفي تركيب الأذن وأجزائها، وطريقة إدراكها للذبذبات.
في ذلك كله عجائب تذهل العقول، وتدير الرؤوس.