لَمْ يَصِلِ الْبَشَرُ فِي عَصْرٍ مِنْ عُصُورِ التَّارِيخِ إِلَى عُشْرِ مَا وَصَلُوا إِلَيْهِ فِي هَذَا الْعَصْرِ مِنَ الْعِلْمِ بِالْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ وَالْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ فِي مُعَامَلَاتِهِ وَآدَابِهِ حَتَّى زَعَمَ كَثِيرٌ مِنَ الْبَاحِثِينَ وَالْمُفَكِّرِينَ مِنْهُمْ أَنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ بِالْعِلْمِ عَنِ الدِّينِ فِي تَرْبِيَةِ الْأَحْدَاثِ بِإِقْنَاعِهِمْ بِمَنَافِعِ الْفَضَائِلِ كَالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَالْعَدْلِ ، وَمَضَارِّ الرَّذَائِلِ كَأَضْدَادِهَا ، وَأَنَّ هَذَا أَهْدَى وَأَقْوَى إِقْنَاعًا مِنَ التَّبْشِيرِ بِثَوَابِ الْآخِرَةِ وَالْإِنْذَارِ بِعَذَابِهَا . وَلَكِنَّا نَرَى رُؤَسَاءَ أَوْ وُزَرَاءَ أَرْقَى الْأُمَمِ فِي هَذِهِ الْعُلُومِ يَقْتَرِفُونَ أَفْحَشَ الرَّذَائِلِ بِالتَّأْوِيلِ لَهَا ، وَتَسْمِيَتِهَا بِغَيْرِ أَسْمَائِهَا ، وَبِالْخَفَاءِ وَالْحِيَلِ ، وَمَا زَالُوا يُرَاءُونَ النَّاسَ فِي ذَلِكَ حَتَّى فَضَحَتْهُمْ وَفَضَحَتْ شُعُوبَهُمُ الْحَرْبُ الْأَخِيرَةُ ، فَثَبَتَ بِهَا أَنَّهُمْ شَرُّ الْبَشَرِ وَأَعْرَقُهُمْ فِي الرَّذَائِلِ الْعَامَّةِ كَالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ بِالظُّلْمِ وَالطَّمَعِ . وَالْمُبَارَاةِ فِي وَسَائِلِ إِفْسَادِ الشُّعُوبِ صِحَّةً وَأَخْلَاقًا وَاسْتِذْلَالًا ، لِأَجْلِ الِاسْتِلْذَاذِ بِاسْتِبْعَادِهَا ، وَالِاسْتِئْثَارِ بِثَمَرَاتِ أَعْمَالِهَا . عَلَى أَنَّهُمْ يَمُنُّونَ عَلَيْهَا بِذَلِكَ زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَجْذِبُونَهَا بِهِ إِلَى حَضَارَتِهِمُ الْمَلْعُونَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْإِسْرَافِ فِي الشَّهَوَاتِ ، وَاسْتِحْلَالِ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ وَجَعْلِ ذَلِكَ مِنَ الْحُرِّيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ الَّتِي يُبَالِغُونَ فِي مَدْحِهَا ،