فهرس الكتاب
وأخبرني من وثقت به، من كان خبره عندي كعيان: أنه رأى الهلال وهو ابن ثلاث منشقاً بنصفين، وإذا كان هذا هكذا، ظهر أن قول الله عز وجل: {وَانشَقَّ الْقَمَرُ} إنما هو على الإنشقاق الذي هو من أشراط الساعة دون الإشتقاق الذي جعله الله تعالى آية لرسوله - صلى الله عليه وسلّم - وحجة أهل مكة وبالله التوفيق.
(فصل)
وإذا انقضت الأشراط وجاء الوقت الذي يريد الله تعالى إماتة الأحياء من سكان السماوات والبحار والأرضين، أمر إسرافيل وهو أحد حملة العرش وصاحب اللوح الملحوظ ينفخ في الصور.
وفي بعض روايات العرب، يروى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال: «كيف أنعم الله أو قال كيف أضحك، وصاحب القرن قد إلتقمه، وحتى ظهره ينتظر متى يوم ينفخ، فإذا نفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض، إلا من شاء الله» .
وجاء عن ابن عباس رضي الله عنه أن الاستثناء لأجل الشهداء فإن الله - عز وجل - يقول: {أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} وهذا مما لا تحتمل الأمة غيره، لأن من خالف هذا القول زعم أن الاستثناء لأجل الشهداء وحملة العرش وجبريل وميكائيل وملك الموت.
أو زعم أنه لأجل موسى صلوات الله عليه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «أنا أول من تنشق الأرض عنه، فأرفع رأسي، فإذا موسى متعلق بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي إذ كان ممن استثنى الله تعالى» .
وشيء من هذه الأقوال يصح.
أما الأول فلأن حملة العرش وجبريل وميكائيل ليسوا من سكان السماوات ولا من سكان الأرض، لأن العرش فوق السماوات كلها، فكيف يكون حملته في السماوات.
وأما جبريل وميكائيل فمن الصافين المسبحين حول العرش، فإذا كان العرش فوق السماوات لم يكن الاصطفاف حوله في السماوات.
وكذلك القول الثاني لأن الولدان والحور في الجنة والجنان، وإن كانت بعضها أرفع من بعض فإن جميعها فوق السماوات دون العرش وهي بانفرادها عالم مخلوق للبقاء فلا شك أنها بمعزل عما خلف للفناء والله أعلم.
وأما صرف الاستثناء إلى موسى صلوات الله عليه وسلم فلا وجه له، لأنه قد مات بالحقيقة، فلا يموت عند نفخ الصور الثانية، فلهذا لم يعد في ذكر اختلاف المتأولين بالاستثناء بقول من قال: إلا ما شاء الله، إن الذي موتهم قبل نفخ الصور، لأن الاستثناء إنما يكون لمن يمكن دخوله في الجملة.