فهرس الكتاب
{اقترب للناس حسابهم} [الأنبياء: 1] فأشفقوا وانتظروا قربها ، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزلت {أتى أمر الله} فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم فنزلت {فلا تستعجلوه} فاطمأنوا. والحاصل أن قوله: {أتى أمر الله} جواب عن شبهتهم إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع كما يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: جاءك الغوث فلا تجزع. أو المراد أن {أمر الله} بذلك وحكمه قد وقع وأتى. فأما المحكوم به فإنما لم يقع لأنه تعالى حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود فلا تسعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت. ثم إن المشركين كأنهم قالوا: هب يا محمد أنا سلمنا صحة ما تقول من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة إلا أنا نعبد هذه الأصنام لأنها شفعاؤنا عند الله فكيف نستحق العذاب بسبب هذه العبادة؟ فأجاب الله عن هذه الشبه بقوله: {سبحانه وتعالى عما يشركون} كما مر في أول سورة يونس. والمراد تنزيه نفسه عن الأضداد والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجساد أن يشفع عنده إلا بإذنه ، أو يستعجل في حكم من أحكامه ، أو قضية قبل أوانه. ثم إنهم كأنهم قالوا سلمنا أنه تعالى أن يقضي على طائفة باللطف وعلى الآخرين. بالقهر ولكن كيف صرت واقفا على أسرار الله تعالى في ملكه وملكوته دوننا ، من أين حصل لك هذا الفضل علينا؟ فأزال الله سبحانه شبهتهم بقوله: {ينزل الملائكة} الآية. والمراد أن له بحكم المالكية أن يختص بعض عبيده بإنزال الوحي عليه ويأمره بأن يكلف سائر العباد بمعرفة توحيد الله وبعبادته ، فظهر بهذا البيان أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه. قال الواحدي: روى عطاء عن ابن عباس أنه أراد بالملائكة ههنا جبرائيل وحده ، وتسمية الواحد بالجمع إذا كان رئيساً مطاعاً جائزة. وعلى هذا التفسير فالمراد بالروح كلام الله