ومن المعجبين بأنفسهم المُغالين في العِزّة وإنْ كان إلى ذلك من الشّخصيات الضخمة الكريمة النبيلة المحترمة عُمارة بن حمزة، رُوي: أنّه دخلَ على المهديّ الخليفة العباسي، فلمّا استقرّ به الجلوسُ، قام رجلٌ كان المهديُّ قد أعدَّه له ليتهكَّم به، فقال: مظلومٌ يا أميرَ المؤمنين قال: من ظلمَك؟ قال: عُمارة غَصبَني ضَيْعَتي، وذكر ضيعةً من أحسن ضياع عُمارة وأكثرِها خَراجاً، فقال المهديّ لعُمارة: قُمْ فاجلِسْ مع خصمك، فقال: يا أمير المؤمنين، ما هو لي بخصم، إن كانت الضيعة له، فلست أنازعُه فيها، وإنْ كانَتْ لي فقد وهبتُها له، ولا أقومُ من مَجْلسٍ شرّفني به أميرُ المؤمنين، فلمّا انصرف المجلسُ سأل عُمارة عن صفةِ الرجل، وما كان لباسُه، وأين كان موضعُ جلوسه... وكان من تيهِه أنّه إذا أخطأ يمرُّ على خطئِه، تكبُّراً عن الرجوع ويقول: نقضٌ وإبرامٌ في ساعة واحدة! الخطأ أهونُ من ذلك...
ومن المُفرطين في الكِبْر رجلٌ يُسمى عبيدَ اللهِ بنَ زياد بن ظَبيان، قال له رجلٌ من قومه وقد رأى منه ما أعْجبه: كثَّرَ اللهُ فينا مِثلَك، فقال: لقد كلَّفْتُمُ اللهَ شَططا...
وهناك من نوادرِ المتكبّرين المُسْتطْرَفة مالا يتَّسع له معجمُنا هذا.
معتذر لعجبه وعزته
قيل لإياس بن معاوية: ما فيكَ عيبٌ غيرَ أنّك مُعْجَبٌ، فقال: أيعجبكم ما أقول؟ قالوا: نعم، فقال: فأنا أحقُّ أنْ أعْجَبَ به...
وقال بعض المُعجبين:
يقولون: ذو كبرٍ ولو خُصَّ بَعْضُهُمْ ... بِبَعْضِ خِصالي ما اسْتفاقَ مَنَ الكِبْرِ
وقال رجلٌ لبعض المزهوّين: ما أعظمَك في نفسِك! فقال: لستُ بعظيمٍ، ولكنّي عزيزٌ، لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} . وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
وما أنا مَزْهوٌّ ولكِنّني فَتىً ... أبَتْ ليَ نَفْسٌ حُرَّةٌ أنْ أُذيلَها
أذيلها: أهينها وهذا من قبيل قول القائل:
وأكْرِمُ نَفْسي أنّني إنْ أهَنْتُها ... وحَقِّكَ لَمْ تَكْرُمْ عَلى أحدٍ بَعْدي
ولمثل هذا المعنى باب سنستوعب عبقرياتهم فيه.
التكبر على ذوي الكبر
سئل الحسن البصري عن التواضعِ، فقال: هو التكبُّر على الأغنياء يريد: الترفُّع وعدم التذلُّل لهم طمَعاً في مالهم أو جاههم
وأنشد المبرِّد:
إذا تاهَ الصَّديقُ عليكَ كِبْراً ... فَتِهْ كِبْراً على ذاكَ الصَّديقِ
فإيجابُ الحقوقِ لغيرِ راعٍ ... حُقوقَك رأسُ تَضييعِ الحقوقِ