وما كان أبو طالب يموت حتى أحدقت برسول الله الأحداث، فزادت حزنه وهمه حتى كاد ييأس من النصر، فكان الإسراء والمعراج علاجاً روحياً لنفس النبي - صلى الله عليه وسلم - التي قاست الأهوال وخاضت غمار الشدائد الصلاب، فأراد الله أن يسلى عن رسوله، فكانت رحلة مباركة صلى رسول الله الأنبياء إماما، وكأن الله تعالى يقول لنبيه وحبيبه:"إن المستقبل لك وللأمتك من بعدك حتى إن حدود دولتك ستتجاوز بيت المقدس، وحتى إن ميراث الشرائع السابقة ليكون في كنفها، وكأن لسان حال الرسل يقول له وهم يصلون خلقه:"امض إلى ربك ونحن معك"، وكأن ملائكة الله في السماء تقول له وهو يعرج فيها: إن ضاقت بك الأرض فالسماء قد فتحت أبوابها أمامك، ولئن آذاك جهلة وطغاة أهل الأرض، فأهل السماء يقفون في استقبالك، كل ذلك جدد نشاط النبي- صلى الله عليه وسلم - بل وبث روحاً جديدة في قلوب الذين معه فما عاد النبي من الرحلة حتى جعل يعرض الاسلام على القبائل الوافدة بكل همة ونشاط. [22] ."
خامساً: دروس وعبر:
أ - لم يكن من شأن هذه المعجزة أن تقهر الناس، أو ترغمهم على الايمان، إنما كانت نبراساً لأهل الايمان، ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما، وفتنة لأهل الكفر والشك والنفاق فانتكسوا وخابوا وخسروا.
ب - فيها من الإعجاز: اختزال المسافات في لحظات [23] وما حدث الآن من طفرات في مجال قطع المسافات وسرعة الصوت والضوء وغير ذلك، إنما يؤكد صدق ما جاربه محمد فسبحانه من أسره بنبيه وعرج وعاد النبي وما يزال فراشه دافئاً!، ولعل في قصته إحضار عرش بلقيس إشارة إلى إمكان خرق العادات، ففي لحظة من لحظات تجاوز الأبعاد والحواجز الزمانية والمكانية، اخترل عملية نقل العرش من ست ساعات إلى سدس اللحظة.
ت - في الإسراء والمعراج: إشارة إلى إمكان ارتياد البشر للفضاء والخروج عن جاذبية الأرض: لكن ذلك بسلطان الله عز وجل، وبذلك يكون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بحسب وصف علماء القضاء أول رائد فضاء في تاريخ العالم كله، وفيه دعوة للعالم أن يفكر كيف يرتاد هذا القضاء، وفي ذلك عبره لمن اعتبر [24] .
سادساً: أحداث ودلالات:
فوائد من الإسراء والمعراج: