ولما كان للنظر إلى الرؤيا اعتباران: أحدهما من جهة الواقع وهو غيب عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين: والآخر من جهة الإخبار وهو مع الرؤيا شهادة بالنسبة إليه سبحانه وتعالى ، عبر بالصدق والحق فقال تعالى: {صدق الله} أي الملك الذي لا كفوء له المحيط بجميع صفات الكمال {رسوله} - صلى الله عليه وسلم - الذي هو أعز الخلائق عنده وهو غني عن الإخبار عما لا يكون أنه يكون ، فكيف إذا كان المخبر رسوله {الرؤيا} التي هي من الوحي لأنه سبحانه يرى الواقع ويعلم مطابقتها في أنكم تدخلون المسجد الحرام آمنين يحلق بعض ويقصر آخرون ، متلبساً خبره ورؤيا رسوله - صلى الله عليه وسلم - {بالحق} لأن مضمون الخبر إذا وقع فطبق بين الواقع وبينه ، وكان الواقع يطابقه لا يخرم شيء منه عن شيء منه ، والحاصل أنك إذا نسبتها للواقع طابقته فكان صدقاً ، وإذا نسبت الواقع إليها طابقها فكانت حقاً.
ولما أقسم لأجل التأكيد لمن كان يتزلزل ، أجابه بقوله مؤكداً بما يفهم القسم أيضاً إشارة إلى عظم الزلزال: {لتدخلن} أي بعد هذا دخولاً قد تحتم أمره {المسجد} أي الذي يطاف فيه بالكعبة ولا يكون دخوله إلى بدخول الحرم {الحرام} أي الذي أجاره الله من امتهان الجبابرة ومنعه من كل ظالم.
ولما كان لا يجب عليه سبحانه وتعالى شيء وإن وعد به ، أشار إلى ذلك بقوله تأديباً لهم أن يقول منهم بعد ذلك: ألم يقل أننا ندخل البيت ونحو ذلك ، ولغيرهم أن يقول: نحن ندخل: {إن شاء الله} أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال ، حال كونكم {آمنين} لا تخشون إلا الله منقسمين بحسب التحليق والتقصير إلى قسمين {محلقين رءوسكم} ولعله أشار بصيغة التفعيل إلى أن فاعل الحق كثير ، وكذا {ومقصرين} غير أن التقديم يفهم أن الأول أكثر.
ولما كان الدخول حال الأمن لا يستلزم الأمن بعده قال تعالى: {لا تخافون} أي لا يتجدد لكم خوف بعد ذلك إلى أن تدخلوا عليهم عام الفتح قاهرين لهم بالنصر.