فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 238

(ما يتولد من الفضائل النفسية)

أمهات الفضائل النفسية وإن كن أربعا، فلها بنات هن أمهات لفضائل أخر. وبيان ذلك أن العقل متى تقوى تولد من حسن نظره جودة الفكر، وجودة الذكر، ومن حسن فعله الفطنة وجزالة الرأي، وتولد من اجتماع أربعتها جودة الفهم، وجودة الحفظ.

والشجاعة متى تقوت تولد منها الجود في حال النعمة، والصبر في حال المحنة، والصبر يزيل الجزع ويورث الشهامة المختصة بالرجولية، كما قيل.

خلقنا رجالًا للتجلد والأسى ... وتلك الغواني للبكا والمآتم

والعفة إذا تقوت ولدت القناعة، والقناعة تمنع عن الطمع في مال الغير فتولد الأمانة.

والعدالة إذا تقوت تولد الرحمة، والرحمة هي الإشفاق من أن يفوت ذا حق حقه، فهي تولد الحلم، والحلم يقتضي العفو، والإنسانية والكرم يجمعان هذه الفضائل، وذلك أن الإنسانية هي الفضائل النفسية المختصة بالإنسان، وبقدر ما يكتسبه الإنسان يستحقها، وفيها تفاضل كثير كما تقدم في الفرق ما بين الإنسان والإنسان.

فمنهم من قد ارتفع حتى لحق أفق الملك، فلو تصورنا ملكًا جسميا لكان إيَّاه، لارتفاعه عن الإنسانية إلا بالصورة التخطيطية، وعلى هذا قوله تعالى: (إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ(31) .

ومنهم من اتضع حاله حتى صار في أفق البهائم، فلو تصورنا كلبًا أو حمارًا منتصب القامة متكلمًا لكان هو إيَّاه، لانسلاخه من الإنسانية إلا بالصورة التخطيطة، وعلى هذا قوله تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) .

ومنهم من هو في أواسط هذين، في درجة من درجات لها كثيرة، ولهذا صح أن يقال: فلان أكثر إنسانيَّة من فلان.

وما يختص به لفظ الإنسانية فهو الأفعال والأخلاق المحمودة، وأما المذمومات من الأخلاق فتشارك الإنسان فيها البهائم والشياطين.

وأما المروءة: فلها اشتقاقان:

ففي أحدهما: يقتضي أن تكون هي والإنسانية متقاربتين، وهو أن يجعل من قولهم:

تمرأ الصعام، وأمرأه إذا تخصص المريء لموافقته الطبع، وكأنها اسم للأخلاق والأفعال التي تقبلها النفوس السليمة فعلى هذا تكون اسمًا للأفعال المستحسنة كالإنسانية.

والثاني: أن تكون من المرء فتجعل اسمًا للمحاسن التي يختص بها الرجل دون المرأة

فتكون كالرجولية، وذلك أخص من الإنسانية، إذ الإنسانية يشترك فيها الرجال والنساء، والمروءة أخص، فكثير مما يكون فضيلة للمرأة يكون رذيلة للرجل، كالبله والخفر والبخل والجبن، ولهذا قيل: أفضل أخلاق الرجال أرذل أخلاق النساء. فالكيس والشجاعة والجود رذيلة لهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت